أضف تعليق

لماذا دعي المسيح بعمانوئيل ؟

لماذا دعي المسيح بعمانوئيل ؟

كلمة عمانوئيل تعني الله معنا وقد ذكرها القديس متي كنبوة مسيانية مقتبسة من اشعياء 7 : 17 ويتكلم متي انها تتحقق بشكل قوي في يسوع ابن مريم . ها العذراء تحبل وتلد ابنا ، وتدعو اسمه عمانوئيل”. إشعياء (7 : 14).وتذكر في متي 1 : 23

الاسم بهذا المعني لا يشيل لاسم فعلي يعطيه يوسف ومريم لابنهما بحسب متي 1 : 21 ولوقا 1 : 31 لذلك فانه في ذلك الحالة يتم استخدام كلمة عمانوئيل علي انها دعوه أي سوف يدعونه عمانوئيل .فأسطورة بايسبول جورج “بيب” هيرمان يدعي سلطان الضربات العنيفة .دون القصد ان هذا اسم جورج هيرمان .لذلك كلمة عمانوئيل تشير الي ان المسيح المنتظر سيكون الله معنا .

يدعي عمانوئيل الله معنا في الآية الاخيرة في إنجيل متى 28: 20) وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ

Why Wasn’t Jesus Named “Emmanuel” as the Angel Told Joseph That He Should Be Named?

أضف تعليق

عظام وذخائر القديسين كتابياً ام انها بدعه مستحدثة ؟

عظام وذخائر القديسين كتابياً ام انها بدعه مستحدثة ؟

المشكلة التي يقع فيها المتكلم هو كرهه للمادة ورفضة استخدامها في أي عمل روحي . ويرفض استخدام  الله المادة وهذا يذكرنا بالهرطقات الاتية من ضمنهم الماركونية والمانوية .

, Marcionism, and Dualism Manichaeism. Marcion                                   

فقد علم ماركيون ان الله في العهد القديم كان شرير وقد خلق المادة لكن اله العهد الجديد اله صالح يرفعنا  لمستوي الروح . فكلما ابتعدت عن المادة كلما اقتربت من الله .علي الرغم ان هذه البدع لا تتناسب مع الاسرار ولا حتي مع فكرة التجسد التي تشمل استخدام النعمة في المادة  .

فالأسرار الموضوعة تمارس من خلال ماده تري بالعين مثل الماء او الخمر والخبز او زيت او وضع الايدي اشارة لإعطاء نعمة .فهي نعمة من خلال ماده تري والنعمة غير منظورة .

يقول بارت بروير الكاثوليكي

ان مارتن لوثر ناهض الامر وقال كيف يكون هناك ستة وعشرين رسول مدفونين في المانية ؟.وقال الكتاب ان عدد التلاميذ اثني عشر تلميذ .  وقال بروير انه لا يوجد أي شيء يدعونا لتبجيل ذخائر الاتقياء .

فقصة التبجيل تبدأ  بقصة جسد المسيح المصلوب علي الصليب .كان الرومان سيتخلصون من الجسد بشكل تقليدي .لكن يوسف الرامي قد تدخل من اجل جسد المسيح بحسب مرقص 15 : 43 ويوحنا 19  : 38   ليس فقط يوسف الرامي بل جاء ايضا نيقوديموس ووضع حنوط بحسب يوحنا 19 : 39

39 وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا

فكان هذا التكريم للأشخاص ذو الكرامة .وبعد الدفن ذهبوا النساء لزيارة القبر بوقار ووضعوا علي جسد المسيح الحنوط بحسب متي 28 : 1 كانت اعمال التبجيل هنا مجرد مجاملة معتادة للموتي .كانوا يحترمون الاجساد .وقدموا احترام خاص لجسد اقدس رجل علي الاطلاق هو يسوع .

التبجيل بوضوح يظهر في سرد استشهاد القديس بلوكاربوس الذي كتبه الاميرانيون سنة 156 وصف المسيحين الاحداث وقالوا لقد حملنا عظامة التي كانت اكثر قيمة من الاحجار الكريمة واجمل من الذهب المصفى .ووضعناها في مكان مناسب .حيث سيسمح لنا الرب ان نجتمع معاً ونستطيع ان نفرح ونحتفل باستشهاده .

وقد كتب اكثر النقاد للكنيسة الكاثوليكية ادولف هارنك عن تبجيل الكنيسة الاولي للأجساد قال حتي الكابادوكيين وافقوا علي ذلك وقد حدثة معجزات متعددة تمت من خلال ذخائر القديسين . والكنيسة لم تتخلي عن هذه الممارسة علي الرغم من هجوم عنيف من قبل الوثنين المثقفين من المناويين .

(Harnack, History of Dogma, tr., IV, 313).

في سنة 313 تم فتح قبور للقديسين وتم تكريم الأجساد ووضع الاجساد في صناديق للتبجيل .بينما في الغرب كان يتم وضع الاجساد في قماش وبحلول العصور الوسطي كانت جميع الكنائس تمتلي بالذخائر .

نحن نحتفظ بقطع من اثار الأشخاص الذين نحبهم مثل خصلة الشعر او ملابس او صورة تذكرنا بهم ونقول بكل فخر هذا يخص امي .في متحف مسرح فورد نري اشياء تخص الرئيس لنكولن وساده ملطخة بالدم ويتم توقيرها الا نعتز بأجساد القديسين .

والكنيسة في وقت مبكر حذرت من المحتالين الي يبيعوا ذخائر القديسين المزيفة ومنهم أوغسطينوس المتوفي سنة 430 ميلادي ونهي البابا غريغوريوس سنة 604 عن بيع الذخائر

بعد وفات القديس بطرس كان المؤمنين يأتون سراً للقبر ويحموه من التدنيس الوثني وبني البابا انيسيتوس 66 – 155 ميلادية نصب تذكاري لأحياء قبره .

في القرن الرابع قال جيروم نحن لا نعبد لا نعبد عن الاجساد المحفوظة ولا نسجد للمخلوق دون الخالق لكن نبجل الذخائر

(Ad Riparium, i, P.L., XXII, 907). `

الكنيسة لا تقول ان الاجساد قوة سحرية فما هي قوة الاعظام .؟سواء كان عظام بطرس نفسه او مرقص ؟تقول الكنيسة ان للقديسين كرامه ويمكن ان يستخدم الله القديسين وفي ذلك تتبع الكنيسة الكتاب المقدس .

عندما نستشهد بان عظام اليشع اقامة ميتاً نقولها ليس لأنها فقيها قوة لذاتها لكن الله يعطي كرامة لنبيه من خلال اقامتة الميت وهو ما نقوله عن استخدام المادة من خلال النعمة الالهية .في ملوك الثاني 13 : 20 – 21 وهذا مثال لاستخدام العظام أي المادة في المعجزات .

مماثل لها شفاء امرأة من نزيف بلمس طرف هدب المسيح في متي 9 : 20 : –22

والمرضي الذي شفاهم ظل بطرس في اعمال الرسل 5 : 14 – 16

وعمل الله معجزات غير عادية علي يد بولس فانتقلت المناديل التي تخص بولس  علي اجساد المرضي وتمت شفائهم وتم اخراج ارواح شريرة بحسب الكتاب +اعمال 19 : 11 – 12

فان لم تكن الأمثلة عن استخدام المادة في الشفاء كما في الحالة اليشع .فهل لابد ان يكون كل الشفاء من خلال عظام اذا لماذا لعازر شفي من خلال المسيح مش من خلال عظام نبي .تم استخدام اشياء مادية مثل العباءة الظل والمناديل والمآزر .فان كنت لا تؤمن فلابد ان ترفض الكتاب المقدس الذي ذكر هذا.

أضف تعليق

الله ظهر في الجسد ام الذي ظهر في الجسد المخطوطات فادي الكساندر

الله ظهر في الجسد ام الذي ظهر في الجسد المخطوطات فادي الكساندر

التجسد في المخطوطة السينائية

أضف تعليق

السالكين حسب الجسد المخطوطات فادي الكساندر

السالكين حسب الجسد المخطوطات فادي الكساندر

للتحميل من هنا

أضف تعليق

دانيال والاس برديات القرن الثاني فادي الكساندر

برديات القرن الثاني

دانيال ب. والاس

ترجمة: فادى اليكساندر

  يزعم البعض، و منهم علماء يعرفون الكثير[1]، بأننا لا نجد مخطوطات متوفرة للعهد الجديد الآن إلا بعد مئات السنين من كتابته. هذه ليست حالة العهد الجديد، لأنه يوجد لدينا مخطوطات عديدة يفصلها قرن واحد عن كتابة العهد الجديد. حسناً، هذه المخطوطات (و كلها بردية ماعدا واحدة) عبارة شظايا، لكنها ليست مُتشظية كما قد يتخيل البعض، و هناك الكثير منهم أكثر مما قد يدركه البعض.

هذه المخطوطات منها: البردية 52 (100 – 150 م)، البردية 90 و 104 (القرن الثاني)، البردية 66 (175 – 225 م تقريباً)، البردية 46 و البردية 64 و البردية 67 (القرن الثاني تقريباً)، البردية 77، البردية 103، المخطوطة 0189 (القرن الثاني أو الثالث)، البردية 98 (القرن الثاني؟). تلك العشرة مخطوطات هي التى سجلها معهد الدراسات النصية للعهد الجديد، والتى من المُؤكد أو المُحتمل أنها تعود إلى القرن الثاني.

بالإضافة إلى ذلك، فهناك مخطوطات أخرى مُرشحة لأن تكون من القرن الثاني[2]. كومفورت وباريت يحتجان لصالح نحو نصف دستة مخطوطات أخرى من الممكن أن يعودوا إلى القرن الثاني. غير أن طريقتهم بشكل عام هي اعتماد أكثر التواريخ قِدماً. ومع ذلك، فالتاريخ الذي يقترحونه للبردية 4 (القرن الثاني)، من المُحتمل انه صحيح في ضوء العمل الحديث لـ ت. س. سكيت من المكتبة البريطانية[3]، و كذلك التاريخ الذي يقترحونه للبردية 32 (أواخر القرن الثاني) مُحتمل بوضوح. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبر هيربرت هنجر المُتخصص في البرديات الشهير، أن البردية 66 لا يمكن أن تعود إلى ما بعد منتصف القرن الثاني[4]. و المُنقحين الأصليين للبردية 75 اعتبروا أن هذه المخطوطة يجب أن تُؤرخ إلى أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث[5].

هذا يعنى أنه هناك عشرة مخطوطات على الأقل للعهد الجديد، و ثلاثة عشر بالأكثر[6]، من المؤكد أو المحتمل أنهم يرجعون للقرن الثاني.

و لكن ماذا عن محتوياتهم؟ ما هو حجم مُحتواهم من العهد الجديد؟ أولاً، نستطيع أن نُحصى هذا عن طريق الكتب الذين يوثقونهم: ثلاثة أناجيل من الأربعة مُوثقين في المخطوطات، و بالمثل تسعة من رسائل بولس، أعمال الرسل، الرسالة إلى العبرانيين، الرؤيا. بكلمات أخرى، غالبية كتب العهد الجديد (15 كتاب من أصل 27 كتاب). طريقة أخرى للإحصاء، هي أنه أكثر من 43 % من مجموع أعداد العهد الجديد، موجودين بالفعل في مخطوطات ترجع إلى مائة عام بعد كتابة الأصول[7].

رغم أن نص العهد الجديد غير مُوثق في مخطوطات من القرن الثاني بنسبة 100 %، فإنه جدير بالملاحظة كيف أن الاختلافات بين هذه المخطوطات و مخطوطات الحروف الكبيرة في القرن الرابع حيث نجد العهد الجديد بالكامل، هي خلافات متدنية. البرهان الذي تقدمه أقدم المخطوطات اليونانية، هو برهان واضح بقوة؛ أن نص العهد الجديد كان ثابت نسبياً، في تيار الانتقال السكندري على الأقل، و هو التيار الذي يعتبره غالبية العلماء، بأنه أفضل مجموعة من الشواهد للنص الأصلي للعهد الجديد[8].


[1] كمثال، بارت د. إيرمان، في حواره في The Charlotte Observer (ديسمبر، 17، 2005)، تم سؤاله:”إذا كنا لا نمتلك النصوص الأصلية للعهد الجديد، ولا حتى نمتلك نُسخ عن نُسخ عن نُسخ عن الأصول، فماذا نملك؟”، فكان جوابه مُوضحاً:”لدينا نُسخ تم عملها بعد مئات من السنين لاحقاً، و في أغلب الأحيان، مئات كثيرة من السنين لاحقاً. و هذه النُسخ تختلف فيما بينها “. ما يُفهم منه أنه لا يوجد لدينا أي مخطوطات من العهد الجديد إلا بعد مئات السنين من كتابة العهد الجديد. لقد كرر نفس كلامه بأنه لا يوجد لدينا أي مخطوطات إلا بعد مرور مئات السنين، في محاضرته في منتدى Greer-Heard في مدينة New Orleans، في ابريل 2008. في نوفمبر 2008، كرر نفس النقطة أيضاً، قائلاً:”نحن لا نعرف كم النصوص التى تغيرت في كل هذه العقود و القرون قبل أن تصلنا أقدم المخطوطات، ولا يوجد لدينا وسيلة لنعرف” (نُشر في مجموعة النقد النصي، مجموعة ناقش عالمية لنُقاد نص الكتاب المقدس، نوفمبر، 1، 2008).

[2] فيليب و. كومفورت و ديفيد ب. باريت، نص أقدم مخطوطات العهد الجديد اليونانية، ويتون وتيندل، 2001.

[3] ت. س. سكيت، ” أقدم مخطوطة للأناجيل الأربعة؟”، مجلة دراسات العهد الجديد (العدد 63، 1997)، ص 1 – 34. يحتج سكيت بأن البرديات 4، 64، و 67، هم أجزاء من مخطوطة واحدة، و أن هذه المخطوطة يجب تأريخها للقرن الثاني.

[4] هربرت هنجر: من أجل تأريخ بردية بودمير الثانية (البردية 66)، مجلة الأكاديمية النمساوية للعلوم، (العدد 4، 1960)، ص 12 – 33.

[5] انظر بروس م. ميتزجر و بارت د. إيرمان، نص العهد الجديد: انتقاله، فساده، إعادة تكوينه، الإصدار الرابع (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 2005)، ص 58.

[6] ثلاثة عشر مخطوطة إذا كانت البردية 4 ليست من مخطوطة واحدة مع البرديات 64 و 67.

[7] لكن هذا لا يعنى أن كل جزء من كل عدد من هذه الأعداد موجود في هذه المخطوطات. شكراً لبريت ويليامز لاجتهاده في جدولة عدد الأعداد الموجود في مخطوطات القرن الثاني.

[8] حتى إيرمان قال بوضوح:”العلماء العصريين أدركوا أن النُساخ في الإسكندرية…كانوا مُدققين بوضوح، حتى في هذه القرون الأولى، و هناك في الإسكندرية، قد حُفِظ شكل نقى جداً من نص الكتابات المسيحية الأولى، لعقد بعد عقد، عن طريق نُساخ مسيحيين مُخلصين و مُدربين نسبياً” (بارت د. إيرمان، سوء اقتباس يسوع: القصة وراء من غير الكتاب المقدس و لماذا، الإصدار الأول، نيويورك 2007، ص 72).

أضف تعليق

النقد النصي للعهد الجديد دراسات فادي الكساندر

النقد النصي للعهد الجديد دراسات فادي الكساندر

دراسات فى نقد نص العهد الجديد

أضف تعليق

المنهجيات و القراءة الأصلية فادي الكساندر النقد النصي

الفصل الأول

المنهجيات و القراءة الأصلية

تمهيد

الكتاب المقدس هو كتاب ذو مكانة خاصة فى حياة اى مؤمن مسيحى , فهو يُعتبر المرشد و المُوجه لحياة الإنسان الروحية و الأدبية و السلوكية , و اللاهوتية ايضاً. قبل ألفى عام تقريباً , إختار الله إثنى عشر رجلاً ليقوم بتدريبهم بنفسه , وقت تجسده , لمهمة عالمية لا تحتل اى تهاون او تراخى. كرز بينهم , و علمهم , و أسس ثوابت الخلاص , حتى فيما بعد حينما يرتفع عنهم , يكون قد ترك رجالاً أشداء , قادرين على حمل هذه المهمة امام العالم بأسره. كان هدف هذا التدريب الروحى الناشط , هو الكرازة بإنجيل يسوع المسيح الى كافة الأرجاء. و بعدما ارتفع عنهم , بدأت المرحلة القاسية , و هى أولى مراحل المُواجهة مع المجتمع اليهودى. عبر أحداث هامة و فعالة , و فى غضون سنوات , نجح هؤلاء الرجال فى نشر الكرازة الإنجيلية بيسوع المسيح , فى الأوساط اليهودية. ليس هذا فقط , بل تعدت حدود الكرازة لتشمل المجتمعات المُجاورة كأنطاكيا و مصر و بلاد الشام. فى هذه الأثناء , كان هناك تدريب روحى آخر موازى للتدريب الأول , تلقاه رجل من طرسوس لمدة ثلاث سنوات فى الصحراء. لم يلتقى هذا الرجل الرب فى حياته على الارض , و إنما التقاه بعد ارتفاعه. و عبر التدريب الجماعى للفرقة الأولى , و التدريب الفردى للطرسوسى , نتج لدينا إتجاهين فى حمل الكرازة المسيحية. فإستطاع الفريق الأول ان يغزو المجتمع اليهودى و المجتمعات المُجاورة له , و إستطاع الطرسوسى ان يتجه نحو الأمم الوثنية فى اليونان و روما و بقية أوروبا.

بكفاءة منقطعة النظير , إستطاع كلاً من التوجهيين , أن يؤدى رسالته على أكمل وجه. لم يكونوا وحدهم , بل كان وعد المُخلص معهم دائماً:” لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ” (لو 12 : 12) , “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 14 : 26). و تمت بالفعل وصية السيد الرب الأخيرة لتلاميذه:” اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت 28 : 19) , “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر 16 : 15). و نستطيع ان نعرف تفاصيل إتمام هذه المهمة العالمية , من تسجيلات تلميذ الطرسوسى , فى كتابه الذى دونه “أعمال الرسل”.

إستمرت الكرازة على هذا الحال , لمدة تتراوح بين ربع قرن و نصف. الى ان جاء الوقت اللازم , لأن يتم تسجيل و توثيق هذه الكرازة , لأجل الأجيال القادمة. فكان الذى عينهم بدايةً حراس للكرازة , عين منهم ثانيةً , من هو قادر على توثيق و تسجل محتوى و تاريخ هذه الكرازة. فقام الروح القدس , بفرز مجموعة منهم لأجل هذه المهمة ايضاً. لم تكن هذه المهمة تقل اهميةً , عن المهمة الأولى. فكلاً من المهمتين , يهدفان الى نشر الكرازة للعالم بأجمعه , فهما مهمتين عالميتين , و إن اختلف شكل التقديم و لكن المحتوى واحد.

بين أربعينات القرن الأول و تسعيناته , بدأ هؤلاء المُختارين فى تسجيل الرسالة و توثيقها , لأجل تنفيذ المهمة التى أُختيروا لها بواسطة الروح القدس. بطرق عديدة و وسائل مُتعددة , أخرج هؤلاء الرجال عملاً مُوثقاً يحتوى على مُحتوى الرسالة المسيحية. كان الروح القدس , هو العامل المُشترك بينهم. لهذا , فقد كان ما دونوه بين طيات سطورهم , هو وحى إلهى. كما ان أفواه الآباء الرسل لم تكن هى المقدسة فى حد ذاتها , بل كان ما خرج منها هو المُقدس , كذلك كان الوضع فى نقل الرسالة بالشكل الوثائقى. فلم يكن الحرف فى حد ذاته هو المقدس , بل كان جوهر هذا الحرف هو المقدس و الفعال.

إنتشرت هذه الوثائق الرسولية بين الكنائس فى كافة المُجتمعات المسيحية. و مع تنامى أعداد هؤلاء الذين آمنوا بإلهية هذه الرسالة المسيحية , نشأت الحاجة لعمل نُسخ لتتداول بين المؤمنين المسيحيين فى كافة المُجتمعات المسيحية. و قد تم , و إنتشرت هذه النُسخ فى شتى بقاع العالم القديم.

يوم بعد يوم , يزداد عدد المسيحيين , فتزداد الكنائس , فتُنشأ مجتمعات مسيحية جديدة. و فى كل يوم من هذه الأيام , كان يزداد عدد النُسخ الموجودة لهذه الوثائق الرسولية , مُحتوى العهد الجديد. و تمر الأيام و الأسابيع و الشهور و السنوات…و القرون. الى ان تُصبح الإمبراطورية الرومانية بأسرها خاضعة للمسيحية , و تصير هى العقيدة الرسمية للإمبراطورية , و تُرفع راية الصليب على كالعلم الرسمى للإمبراطورية.

و يستمر الحال على هذا المنوال , الى ان نصل الى القرن الخامس عشر. يخترع جوتنبرج الطباعة , و ينبغى الآن ان يتم طبع الوثائق الرسولية هذه , ليكون إنتشارها بين الجميع سهل و سلس. فإذ بأرباب الطباعة يُفاجآون بأن الوثائق الأصلية , التى كتبها الرسل بأيديهم , غير موجودة! فيقررون اللجوء الى النُسخ التى نُسخت عنها , فإذ بها غير موجودة ايضاً! و يُلاحظون انهم يمتلكون نُسخ متأخرة زمنياً , بل و يجدون خلافات لفظية كثيرة بين هذه النُسخ التى وجدوها! لم تكن هذه المشكلة معروفة بشكل ملحوظ بين المسيحيين , فكل شخص لديه نُسخته , و اذا أراد شخص ان يمتلك نُسخة جديدة , فعليه ان يقوم بنسخها نقلاً عن نُسخة اخرى متوفرة , و هكذا ينتهى الأمر. و لكن الحال تغير الآن , فقد أُخترعت الطباعة!

أى من هذه النصوص يطبعونها؟! كيف يُمكنهم الوصول الى النص الأصلى الذى كتبه الرسل بأيديهم , و هذه الوثائق الأصلية مفقودة؟! على اى اساس سنقول هذا صحيح و هذا خطأ؟! على اى اساس سنختار النص الصحيح الذى سنطبعه؟! و على اى اساس نستطيع ان نقول ان النص الفلانى ينتمى للأصول بينما النص الموازى له فى نسخة اخرى لا ينتمى للأصول؟! كيف نعرف ما الذى نسخه الناسخ دون تدخل منه , و ما الذى تدخل به الناسخ؟! كيف يُمكننا مُعالجة هذه النصوص المُختلفة؟!

هذه الأسئلة , و اسئلة اخرى غيرها , جعلت العقل البشرى يقف , فى مواجهة مع خمسة عشر قرناً من الزمان. حتمت عليه , ان يجد الإجابة. لابد ان يجد الإجابة , فلا مجال لرفض البحث عنها ابداً. لابد ان يُميز النص السليم عن النص الغير سليم , ليسهل طبع العهد الجديد , بشكله الصحيح و الموثوق بأكبر دقة ممكنة. و لكن كيف؟! هذه الـ “كيف” , هى التى أرهقت العلماء كثيراً , و حتى يومنا هذا , مازال العلماء يُطورون إجابتهم على هذه الـ “كيف”!

لم يكن البحث عن الإجابة , بالأمر الهين ابداً. لقد إستغلت الإجابة على هذه الكيف , نحو أربعة قرون كاملةً , ليستطيع علماء العهد الجديد , تقديم أفضل إجابة ممكنة عليها. وقف هؤلاء العلماء امام تحديات رهيبة , أمام مشاكل صخمة لا يُستهان بها ابداً , للإجابة على هذا السؤال. كانت عناية الله دائماً و ابداً تُرافقهم , فمهمتهم هى مهمة مقدسة. مهمةً , لا تقل فى عالميتها عن أهمية الأولون. فكما إنتشرت الرسالة المسيحية قديماً و سُجلت فى الوثائق الرسولية الأصلية , فإن المهمة الحالية للنقد النصى , هى العودة الذى ذات التدقيق الحرفى , لهذه الوثائق الرسولية.

تعريف بالمنهجيات

هذه الـ “كيف” , هى ذاتها “منهجيات النقد النصى”. فإرساء ثوابت و أسس علم المنهج Methodology , أو الآلية , أو الوسيلة , هو أول الطريق فى الوصول الى النص الأصلى للوثائق الرسولية الأصلية. فكى أستطيع الوصول الى القراءة الأصلية , ينبغى علىّ ان أضع بعض الخطوات التى أسير عليها فى التطبيق. و لكن , كيف سأسير على هدى هذه الخطوات , و انا لا أمتلكها؟! و ايضاً , قبل أن اسير على هذه الخطوات , يجب علىّ التأكد تمام التأكيد , من ان هذه الخطوات التى سأتبعها , هى خطوات سليمة و حقيقية و واقعية.

بالوصول الى هذه المرحلة , نشأت “كيف” اخرى غير الاولى! “كيف” سيصل العلماء الى هذه المنهجية؟! و كيف يستطيع العلماء , التأكد من ان هذه المنهجية هى منهجيلة سليمة و مُتقنة؟! و ما هو المعيار او المقياس , الذى به نستطيع ان نُحدد مدى صحة منهجية عن منهجية أخرى؟! و على أى اساس يستطيع الفرد , أن يتبنى منهجية و يرفض منهجية اخرى؟! و الى أى مدى يُمكن للفرد ان يثق بصحة منهجية بعينها؟! و كيف تتطور المنهجية عبر الزمان؟ و ما هى العوامل التى تؤثر فى تطور المنهجية بشكل عام؟!

كل هذه الأسئلة , تندرج تحت احد فروع علم النقد النصى: منهجيات النقد النصى. هذا الفرع من النقد النصى , هو الذى نحن بصدد دراسته الآن فى هذا الكتاب. و قبل ان نتعمق فى دراسة المنهجيات و تطورها , يجب ان نسأل انفسنا سؤالاً هاماً: هل نص العهد الجديد موجود فى الشواهد المتوفرة له؟! هل يُمكن ان يُفقد النص من هذه الشواهد؟! فإذا كنا سنبدأ رحلة البحث عن المنهجية الصحيحة , و التى بدورها هى بداية لعملية البحث عن النص الأصلى , يجب ان نعرف اولاً , هل النص الأصلى موجود ام لا؟! فإذا تيقنا ان النص الأصلى موجود فى الشواهد , بدأت رحلتنا , و إذا كان هناك ذرة شك واحدة , فقد إنتهت رحلتنا قبل ان تبدأ!! لهذا , فبعد هذا التعريف بعلم المنهجيات , يجب ان ندرس اولاً هذه القضية الحيوية و الهامة.

القراءة الأصلية

هناك اتفاق يجب ان نبرمه معاً , انا و انت. هذا الإتفاق هو: الوثائق الأصلية للعهد الجديد , غير موجودة. لا نعرف أين ذهبت هذه الوثائق , و ماذا حدث لها , و لكننا متأكدين انها غير موجودة بين أيدينا الآن. و لكن هذا الإتفاق , لا يقول بأن ما كان بداخل هذه الوثائق مفقود. بمعنى , أن اتفاقنا هذا هو عن الوثائق المادية , و ليس عن محتوى الوثائق. حسناً , فماذا عن محتوى الوثائق الأصلية؟ هل هو موجود ام غير موجود؟ هذه هى قضيتنا الآن. انا اؤمن ان محتوى هذه الوثائق الأصلية , حرفها , موجود معنا الآن[1]. كيف يستقيم هذا و نحن لا نملك الوثائق الأصلية؟! و كيف يُمكن لشخص ان يدعى بأن النص الأصلى محفوظ , و نحن لا نملك نُسخه الأصلية؟! هذه الأسئلة تتردد كثيراً , بواسطة قلة من علماء النقد النصى , و سأشرح فيما يلى رؤيتى , و إستدلالاتى على هذه الرؤية.

ضياع القراءة الأصلية , يتم بطريقين لا ثالث لهم: عفوياً , او عمدياً.

إستحالة ضياع القراءة الأصلية بشكل عفوى

الإستدلال الأول: عدد النُسخ

إذا لدينا وثيقة كتبها مُؤلف ما , و قام عشرة أشخاص بعمل نُسخ عن هذه الوثيقة الأصلية , فمن البديهى و الطبيعى , انه ستوجد اخطاء فى هذه النُسخ. و لكن السؤال الهام: هل يُمكن ان يخطأ العشرة فى نص معين , نفس الخطأ , و بنفس الحجم , و بنفس شكل الاهمية؟! منطقياً , يستحيل ان يحدث هذا ابداً , بل لابد و ان احداً منهم احتفظ بالشكل الصحيح للنص فى نُسخته. لنتخيل الآن , ان هناك مائة شخص قاموا بعمل نُسخ عن هذه الوثيقة. فهل يُمكن ان يخطأ المائة فى نقل نص مُعين من هذه الوثيقة؟! انه مستحيل! لذلك , فكلما زاد عدد النُسخ لوثيقة ما , يضعف إحتمال فقدان القراءة الأصلية بشكل أكبر. و هكذا , لو اننا لدينا نحو 24000 مخطوطة للعهد الجديد , فهل يُمكن ان نتخيل , ان جميع النُساخ فى التاريخ المسيحى , اخطأوا فى نقل نص معين؟! نحن لدينا 24000 مخطوطة , إذن فنحن لدينا 24000 ناسخ بشكل تقريبى. هل يُمكن ان يخطأ هؤلاء جميعهم فى نقل نص مُعين؟! مستحيل! لا يُمكن ان يجتمع نُساخ العالم القديم بأكمله , على خطأ عفوى!! لنتخيل إمكانية حدوث هذا الأمر , سأضع مثالاً عملياً له. يقول القديس لوقا البشير:” وَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ” (لو 12 : 8 – 9). لأن العبارة “قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ” مُتكررة فى نهايتى العددين , فقام نُساخ المخطوطات: البردية 45 , بسى , السيريانية السينائية و غيرهم , بحذف العبارة “قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ” فى العدد التاسع! و لكن هل هذا يعنى , أن التقليد النصى بأكمله يحذف العبارة؟! بالتأكيد مُستحيل ان يحدث هذا , فإذا اخطأ عشرة او عشرين او مائة ناسخ , من بين 24000 ناسخ , فهذا يعنى بكل تأكيد , ان بقية النُساخ احتفظوا بالقراءة الأصلية. هكذا , يتبين لنا من هذا الإستدلال , إستحالة ضياع القراءة الأصلية , منطقياً و عملياً.

الإستدلال الثانى: التوزيع الجغرافى

إذا لدينا وثيقة , و وصلت نُسخ عنها الى مصر و روما و الغال و سوريا و اورشاليم و انطاكية و قيصرية…إلخ , و كافة المجتمعات المسيحية , فهل يُمكن ان نتخيل إجتماع نُساخ هذه المُجتمعات بأجمعها , على ان يخطأوا بشكل عفوى فى نص معين , فتضيع قراءته الأصلية؟! إذا اخطأ احدهم فى مصر مثلاً فى أحد النصوص , فهل نتخيل ان بقية النُساخ فى كافة المجتمعات الاخرى , سيخطأون نفس الخطأ؟! بل دعونا نقوم بتضييق التساؤل أكثر: إذا تخيلنا ناسخاً فى صعيد مصر اخطأ فى أحد النصوص , فهل يُمكن ان نتخيل ان بقية نُساخ مصر سيخطأون نفس الخطأ؟! يستحيل ان يحدث بأى شكل منطقى , حدث كهذا! دعونا نأخذ نفس المثال الذى طبقناه فى الإستدلال الأول. إذا عرفنا ان البردية 45 من النص السكندرى , فما هو حال بقية مخطوطات النص السكندرى؟! فإذا علمنا ان النص السكندرى بشكل عام , يُثبت ما تحذفه البردية , فإن هذا يعنى بكل تأكيد , أن بقية النُساخ لم يخطأوا نفس الخطأ الذى قام به ناسخ البردية!! و هكذا , تستطيع المُقارنة مع بقية مخطوطات , من أنواع النصوص المُختلفة , و تقارن بينهم. إجمالاً , فإن التوزيع الجغرافى الكبير , يشهد بقوة لصالح حفظ القراءة الأصلية. و يتبين لنا من هذا الإستدلال ايضاً , إستحالة ضياع القراءة الأصلية بشكل منطقى و عملى.

الإستدلال الثالث: تنوع المصادر

يشهد للعهد الجديد , مصادر متنوعة لنصه. تتنوع هذه المصادر بين: النُسخ اليونانية , الترجمات القديمة , و الإقتباسات الآبائية. تنوع مصدرية النص , تشهد لصالح النص بعدة طرق. الطريق الاول: هو إختلاف طرق الخطأ. فالخطأ فى الإقتباس الآبائى (كمثال: للإقتباس من الذاكرة) , لن نجده مُتمثل فى المخطوطات اليونانية و الترجمات. كذلك , الخطأ فى الترجمة (كمثال: لأن الترجمة ليست حرفية) , لن نجده فى المخطوطات اليونانية و الآباء اليونانيين. أما الطريق الثانى: فهو تنوع المصدر الواحد. بمعنى , نحن لدينا مصدر إسمه “الإقتباسات الآبائية” , هذا المصدر متنوع فى حد ذاته. لدينا من الآباء من كتب باليونانية , من كتب باللاتينية , من كتب بالقبطية , و من كتب بالسيريانية…إلخ. فإذا اخطأ احدهم , فإننا من المستحيل سنجد الإجماع الآبائى يُخطأ نفس الخطأ. على الأقل , سنجد أب واحد فقط , يشهد للقراءة الصحيحة. الأمر نفسه ينطبق على الترجمات , بجميع لغاتها. و بتطبيق نفس المثال المُستخدم سابقاً , سنجد ان الترجمة السيريانية السينائية , شهدت للحذف , بينما شهدت بقية الترجمات بكافة لغاتها , لقراءة الإثبات! و هكذا , ينفى هذا الإستدلال ايضاً إمكانية ضياع القراءة الأصلية , منطقياً و عملياً!

الإستدلال الرابع: قِدم الشواهد

فكلما تقلص الفاصل الزمنى , بين الأصول و النُسخة المنسوخة عنها , كلما كانت فرصة ورود الخطأ تكاد تضمحل تماماً. و فى هذا الأمر , لست بحاجة للقول بالقِدم السحيق لأكثر من ثلاثمائة مخطوطة للعهد الجديد , التى يرجع أغلبها لفترة ما بين القرن الثانى و القرن الخامس. دون ان أذكر الترجمات المختلفة و الإقتباسات الآبائية , و التى يرجع الكثير منها لنفس الفترة! و يُذكر , أن هذه المخطوطات و الترجمات و الإقتباسات الآبائية القديمة , هى الأساس الاول الذى يقف خلف كافة أشكال النص النقدى فى كل نُسخه! و فى المثال المذكور , فلا يُذكر ورود الخطأ , فى أى مخطوطة يونانية مُبكرة , سوى البردية 45 فقط , بينما تُثبت القراءة الصحيحة كافة المخطوطات القديمة!

الإستدلال الخامس: الإحصائيات المُقارنة

الإحصائيات المُقارنة , أقصد بها عمل مُقارنة بشكل إحصائى , بين اى من شواهد العهد الجديد. و قد قدم العالم موريس روبينسون , دراسة من هذا النوع بعنوان:”سلامة نص العهد الجديد القديم”[2] , عقب ظهور شفرة دافينشى , فى عام 2005. فى هذه الدراسة , قام روبينسون بعمل مُقارنة حول نسبة الخطأ بين شواهد القرن الثانى و شواهد الألفية الثانية! ترجع أهمية هذه الدراسة الى عدة عوامل:

  • العامل الزمنى المُستخدم فى المقارنة , هو بين نص بردية من القرن الثانى او الثالث , و بين نص مخطوطات الحروف الصغيرة التى تعدوها بألف عام , أى أضعاف الفاصل الزمنى بين الأصول و أقدم المخطوطات.

  • ان المُقارنة هى بين نوعين من المخطوطات , لا يُوجد أى درجة من الصلة بينهما على الإطلاق: البرديات , الحرف الصغير.

  • ان المُقارنة تشمل كل أنواع الخطأ , بما فى ذلك الأخطاء النسخية العادية.

و قد خلص الى إستنتاج مفاده , ان متوسط الخلاف بين أقدم البرديات المتوفرة , و بين أكثر المخطوطات تأخراً , هى نسبة تتراوح بين 8 – 10 %!!!! على مدى ألف عام , فإن مواضع الخلاف لم تزد عن هذه النسبة ابداً!! فكم يكون اذا قلصنا هذا الفاصل الزمنى الى قرنين فقط؟!!! فى حوار مع ديفيد بلاك , يقول موريس روبينسون[3]:” أى زعم يُوحى ان غياب الأصول المادية يُساوى غياب الموثوقية النصية او السلطة الكتابية هو زائف. نُسخ المخطوطات التى نمتلكها تبقى مُتطابقة مع الأصول , بشكل جوهرى. كما برهنت فى بحثى , أقدم بردية موجودة (ليست بيزنطية) , قُورنت مع نص مخطوطات الحروف الصغيرة البيزنطية التى نُسخت بعدها بألف عام , يحتويان على تطابق حرفى بنسبة 92 % , بإحتواء المقارنة على الأخطاء النسخية و الخلافات التى لا يُمكن ترجمتها. بوجود نسبة ضخمة من النص المُشترك , حتى بعد مرور ألفية من الإنتقال , انه من الواضح ان نص الأصول محفوظ جوهرياً , حتى بداخل النُسخ المتفاوتة التى تُمثل تقاليد نصية مختلفة قليلاً. بنفص القاعدة , فإن الشك ينبع بصعوبة حول هل نص الأصول قد حُفظ بشكل مُماثل خلال الفترة القصيرة جدا بين كتابة الأصول و أقدم المخطوطات المتوفرة. المُلاحظات التناقلية تُوحى بموثوقية تاريخ الإنتقال خلال الفترة القصيرة التى لا يتوفر بها دليل. بالإضافة الى ذلك , كل المبادىء العقيدية موجودة بشكل واضح فى نسبة متوسط النص الأساسى 92 %. لا يُوجد عقيدة أُثبتت او أُبطلت فى النسبة المُتبقية 8 % , حيث تُوجد الإختلافات. ايضاً , غالبية القراءات هى صغرى و بشكل عام هى إسلوبية فى طبيعتها. اذا أستبعدنا الأخطاء النسخية , الغير المُترجمة , و الإسلوبية الصغرى , الإتفاق الكامل بين أقدم المخطوطات و أكثرها تأخراً سيتضح جوهرياً. الوثائق المتوفرة تُمثل الأصول فى كل النقاط المبدئية بدقة. النص الذى نمتلكه الآن كافى و واقعى لإثبات و تأكيد كل المواقف العقيدية التى قامت بها المسيحية المُستقيمة”. كذلك , نستطيع الإستدلال بعمل ويستكوت و هورت بشكل خاص. ويستكوت و هورت بإعتمادهما على نص الأقلية , أنتجا اول نص نقدى (و إن كان ليس نقدياً خالصاً) بشكل مُتكامل. إعتمدا بشكل رئيسى على السينائية و الفاتيكانية و الترجمة القبطية و شواهد قليلة أخرى. الذى نُلاحظه فى عصر ويستكوت و هورت أنهم لم يمتلكا أى نصوص قبل القرن الرابع , ولا أى شواهد ترجع عملياً الى ما قبل القرن الرابع. المفاجآة تظهر فى القرن العشرين , بإكتشاف نصوص ترجع الى ما قبل القرن الرابع , و قد قدمت البرديات شهادة لنص هذه الاقلية بنسبة لم أحسبها بالضبط و لكنها لا تقل عن 95 % , مما ينفى تماماً إحتمالية خلاف النصوص التى لم تُكتشف لما هو ثابت. الأمر نفسه يستحق ان يسترعى الإنتباه , فيما حدث مع تشيندورف بإكتشاف السينائية , و مُقارنتها مع نص لاشمان الذى صدر قبل إكتشافها. و قد قدمت سابقاً , إحصاء حسابى للإستدلال على إستحالة ضياع القراءة الأصلية. مفاد هذا الإستدلال هو كالتالى: فلو اننا لدينا اليوم 5700 مخطوطة للعهد الجديد , فإن نسبة عدم تقديمها لنص العهد الجديد الصحيح هو 1 الى 5700 , أى نسبة حدوث هذا الإحتمال هو: 0.01 % , بينما نسبة وجود القراءة الصحيحة فى نص المخطوطات , هو: 99.99 %. ما رأيك أن نُضيف الآن عدد المخطوطات التى تحتوى على نص العهد الجديد بكل اللغات؟ عددها نحو 24000 مخطوطة , أى أن نسبة إحتمال عدم وجود القراءة الصحيحة فى هذه المخطوطات , يُساوى 1 الى 24000. بعملية حسابية بسيطة , يتضح لنا ان نسبة حدوث هذا الأمر هى: 0.004 % , بينما نسبة وجود القراءة الصحيحة فى نص المخطوطات , هو: 99.996 %. فكم تكون النسبة لو أضفنا لهذه المخطوطات , مليون إقتباس موجود فى كتابات الآباء؟! لن أقوم بهذه العملية الحسابية , و لتقم بها أنت اذا أحببت.

إستحالة ضياع القراءة الأصلية بشكل عمدى

تبدأ القصة بموت يوحنا , و يبتدأ القرن الثانى حيث تظهر للوجود بعض الحركات الفكرية , التى ترفض يسوع إلهاً. و يظل الصراع بين آباء الكنيسة و هذه الحركات الفكرية عبر قرنين من الزمان.يُمثل فكر هذه الحركات , بحسب السيناريو الإيرمانى , أبوكريفا العهد الجديد , و التى تعكس تطورات الفكر العقيدى فى هذه المرحلة. و يُمثل فكر الأرثوذكسية كتابات الآباء بدايةً من المرحلة التى سبقت عصر مُعلمى العقيدة. فتتسلح الأرثوذكسية بالإمبراطور الرومانى , لأجل القضاء على الفكر المُخالف فى هذا العصر. و هكذا , تنتصر الأرثوذكسية!

هذا السيناريو , الذى يتخيله المُلحدين من العلماء , هو الأساس الرئيسى , الذى يبنوا عليه إدعائهم بضياع نص العهد الجديد بشكل مُتعمد!! و أحتج على هذه الإفتراضات , بعدة إستدلالات:

الإستدلال الأول: المنطق

المنطق و العقل , يُقران بأن الأساس هو النسخ الصحيح , و الإستثناء هو النسخ الخاطىء. عفوياً او عمدياً , فإن الإنتقال الصحيح هو الأساس , و يبقى الإنتقال الخاطىء هو الإستثناء. و بالتالى , فإن إحتجاج هذا يستلزمه أدلة صلبة لإثباته. الإحتجاج الوحيد لدى المُنادين بهذا الإعتقاد , هو أن هناك فاصل زمنى لا يُوجد به أى شاهد لنص العهد الجديد , أى من كتابة الأصول و حتى النصف الثانى من القرن الثانى (بإستثناء البردية 52). منطقياً , فإن اى إدعاء لوجود تغيير جذرى تبعاً لأيدولوجيات معينة فى النص خلال هذه الفترة , يستلزمه أدلة جامحة لا يشوبها أى شك , لإثبات حدوث هذا التغيير. و مع إنعدام وجود أى دليل حيوى على هذا الإفتراض , يسقط علمياً. و ليُلاحظ القارىء , أن كل هذه مجرد إفتراضات لا ترقى حتى لمستوى النظرية , إعتماداً على انه هناك فترة فاصلة فى التاريخ النصى لا يُوجد بها أى شواهد , الأمر الذى لا يُثبت اى شىء , سواء مع النص او ضد النص.

الإستدلال الثانى: الصراع الأثناسى – الآريوسى

تصل الحرب الفكرية , بين الأرثوذكسية و الحركات الفكرية الاخرى , الى أوج شراستها , فى عصر الصراع الأثناسى – الآريوسى فى القرن الرابع. المُتابع لأحداث هذا الصراع , و اصداؤه على مجمع نيقية , سيرى ان التسجيلات التاريخية للحوار بين الأرثوذكسية و الآريوسية , لا تُسجل وجود أى إتهام بين أحد الطرفين للآخر , بوجود تغيير جذرى فى نص العهد الجديد ليُغير من ملامحه الأساسية على الإطلاق. و هناك مُفارقة يجب الإنتباه لها , ألا و هى ان نُسخ العهد الجديد المُستخدمة فى مجمع نيقية نفسه , بكل تأكيد و ثقة , كانت تحتوى على قراءات مثل تلك الموجودة فى مخطوطات القرن الرابع!! مع هذا , لا نجد أى دليل تاريخى , يُشير إلى إتهام آريوس للأرثوذكسية بعمل تغيير جذرى لنص العهد الجديد.

الإستدلال الثالث: التنقيح النقدى اللوسيانى

نادى هورت فى نهايات القرن التاسع عشر , بأن النص البيزنطى هو تنقيح نقدى , قام به لوسيان الأنطاكى فى القرن الرابع , فى نهايات حياته. و من الثابت , ان عملية جعل النص البيزنطى هو النص القياسى , أخذت ما يقرب من أربعة قرون كاملةً! فلو أننا سلمنا جدلاً , بصحة ما نادى به هورت , فإن هذا يؤدى بنا الى نتيجة هامة: إرساء اى تنقيح نقدى للنص , يحتاج لفترة طويلة كى يتم إرساءه كنص قياسى. قس على ذلك , الإدعاء بأن نص العهد الجديد تعرض الى تنقيح نقدى فى النصف الاول من القرن الثانى. فى ضوء تنقيح لوسيان , هل من المُمكن ان يتم عمل تنقيح نقدى للنص فى النصف الأول من القرن الثانى , فيتم قبوله تماماً فى النصف الثانى من ذات القرن؟! بل إن حالة هذا الإدعاء اسوأ , لأنه يفترض تغيير جذرى شامل فى نص العهد الجديد , بما فى ذلك تغيير الرسالة المسيحية نفسها!! فإذا كان التنقيح الذى قام به لوسيان , و هو صفاته بشكل عام هى صفات النص البيزنطى (أى جعل النصوص المتوازية مُتفقة , تنعيم النص , إزالة الصعوبات…إلخ) , أخذ اربعة قرون كاملة كى يستقر , فكم و كم يكون أخذ نص تم تنقيحه جذريا؟!! الإجابة على هذا السؤال لدى المُنادين بهذا الزعم , هو قرن واحد!! هكذا , يسقط هذا الإدعاء المُنافى للمنطق بكل المقاييس.

الإستدلال الرابع: مدرسة الإسكندرية النسخية

أحد اهم انواع النصوص الكتابية , هو النص السكندرى. تمتاز مدرسة الإسكندرية النسخية , بالدقة و الحِرفية العالية فى نقل النصوص. فبعيداً عن العهد الجديد , فإن هذه المدرسة هى أهم مدارس النسخ فى العالم القديم. نُساخ هذه المدرسة , تدربوا على النسخ بإحتراف , لعملهم فى الكلاسيكيات , مما أدى على إنعكاس هذا الإحتراف على نص العهد الجديد. و بالتالى , فإن إمكانية ضياع القراءة الأصلية فى ظل وجود مدرسة بهذه الكفائة , تكاد تضمحل تماماً , أمام الشهادات العلمية القاطعة , بإمتيازها عن غيرها.

الإستدلال الخامس: مدى سلطة الكنيسة

إن اى قراءة للتاريخ الكنسى فى العصور الأولى , مهما كانت سطحية و مُتبلدة , تجعل القارىء يصل الى إستحالة وجود سلطة كنسية فى القرن الثانى فى ظل الإضطهاد المُريع الذى لاقته الكنيسة من الإمبراطورية الرومانية الوثنية آنذاك. بل إن الدافع الرئيسى وراء نشأة كافة القراءات فى القرن الثانى , هو عدم وجود نُساخ محترفين , و الذى بدوره ينبع من الإضطهاد الوثنى للكنيسة المسيحية. هذا الإضطهاد الذى وصل مداه الى حرق الكتب المقدسة للكنيسة! فهل نتخيل كنيسة لم تعرف كيف تُواجه هذا الإضطهاد و تُحافظ على كتبها من الحرب , ستستطيع بأى شكل ان تُرسى تنقيح جذرى لنص العهد الجديد؟! هذه الإشارات التاريخية و غيرها , جعلت العالم فريدريك ويس يقول[4]:” الكنيسة لم تكن فى الموضع الذى يسمح لها بالنشر و التحكم فى النص الكتابى , لتستطيع وحدها التخلص من الأشكال المُنافسة فى النص…فقط مع بداية القرن الثانى عشر , نمتلك الدليل على وجود جهد قياسى ضخم. هذه هى مجموعة فون سودين Kr و التى تُشير الى تحكم حريص. و لكن حتى فى هذا التاريخ المتأخر , لم يكن هناك ثمة طريقة لمنع إختلاق النُسخ المختلفة. عدد قليل فقط من المخطوطات , هو الذى رُوجع بإتساق ليتكيف مع نص Kr أو الى اى عائلة اخرى او نوع نص. لا يُوجد دليل من الفترة البيزنطية او الى تاريخ سابق , لوجود مجهود للحد من النُسخ المختلفة فى مخطوطات العهد الجديد”. و يقطع الألسنة بقوله:” الإدعاءات بوجود تنقيح أيديولوجى واسع الإنتشار للأناجيل…يُعتبر مُواجهة مع كل الأدلة النصية. إنعدام الدليل هذا لا يُمكن ان يُشرح بعيداً عن التخمينات حول نص “قياسى” أُقحم بشكل واسع الذى فرضته القيادة الأرثوذكسية…و القمع الناجح لكل النُسخ الغير مُقحمة. بكل تأكيد , الكنيسة كانت تفتقد للوسائل , و بكل وضوح الإرادة أيضاً لعمل هذا…عملية التناقل لا يُمكن التحكم بها بتأثير فعال حتى فى الفترة البيزنطية”[5].

الإستدلال السادس: إستحالة بُطلان الحق

إن مجرد التفكير فى هذا الإدعاء , ينفى تماماً سلطة الحق على الباطل. فلا أحد يستطيع ان يتخيل الحق بهذا الضعف و الهزل , حتى انه يسهل القضاء عليه بكل هذه السهولة. ان هذا الأمر فى حد ذاته , يكفى الفرد لأن يرفض هذا النص الذى سبق التنقيح المزعوم , فلا حق بهذا الفشل فى الصمود ابدا! فهل يُمكن القضاء على نص العهد الجديد بأكمله فى هذه الفترة الصغيرة جداً؟! و هل يُمكن ألا يُوجد شاهد واحد يحتفظ بالتاريخ الحقيقى للناصرى , إلا و يتم القضاء عليه تماماً فى القرن الثانى؟!

هذه هى إستدلالاتى على إستحالة ضياع القراءة الأصلية بشكل عفوى , و إستحالة حدوث تنقيح نقدى فى القرن الثانى بشكل عمدى. لم يختلف معنا العلماء المُعتبرين فى هذا , فها نحن نرى كرت آلاند رائد النقد النصى فى القرن العشرين , يشهد قائلاً[6]:”أن اى قراءة وردت فى التقليد النصي للعهد الجديد , بدايةً من الأصول و ما يليها , حُفظت فى فى التقليد (النصي) و فقط تحتاج الى تحديدها” , “حتى بعيداً عن مخطوطات كتب القراءات الكنسية , فهناك برهان 3200 مخطوطة تقريباً لنص العهد الجديد , دون ان تُذكر الترجمات القديمة و الإقتباسات الآبائية. نحن نستطيع ان نتأكد انه بداخلهم (اى الشواهد) , يُوجد مجموعة من الشواهد و التى تحتفظ بالشكل الأصلى للنص”[7]. بل انظر لهذا التصريح المُدهش لكرت حينما يقول ان تاريخ نص العهد الجديد “نستطيع ان ندرسه فى أصوله”[8] , مُشيراً الى ان الشكل الأصلى للعهد الجديد موجود فى البرديات و مخطوطات الحروف الكبيرة بين القرنين الثالث و الرابع. هكذا فهم ايلدون ايب ايضاً , مُوضحاً أن آلاند فى أماكن اخرى كثيرة , يُساوى بين “النص الأصلى” , و النص النقدى نيستل آلاند[9]!

إننا نستطيع ان نُسميها مسألة “البقاء للأصلح”. و لكن فى نفس الوقت , انا لا اجرؤ على ان اقول بأن إستدلالاتى لها الصحة المُطلقة. ليس لعيب فيها , بل لأننى اؤمن , أنه لا يُوجد فرد يمتلك الحقيقة المُطلقة. و كما أقول بأن كتابى المقدس محفوظ بنسبة 99.9 % , فكذلك أقول بأن نسبة صحة إستدلالاتى هى 99.9 %. بالمُقارنة مع إنعدام إستدلالات الطرف الآخر , فأعتقد أنها نسبة مُرضية. ولا ننسى قول ميتزجر[10]:”حتى فى التفاصيل العارضة , يُلاحظ الفرد إخلاص النُساخ”. لعل هذه الأمانة العظيمة , هى التى حدت بعلم النقد النصى , فينتون هورت لأن يقول[11]:”نسبة الكلمات المقبولة عملياً بين الجميع و التى ترتفع فوق كل شك , هى عظيمة جداً! فهى ليست أقل – بحساب مُتطرف – من سبع أثمان”. هذا يعنى ببساطة , أن أكثر الحسابات تطرفاً , تضع 87.5 % كنصوص أكيدة الوجود فى النُسخ الأصلية! غير ان هورت يرى أكثر من ذلك , فعدد الكلمات التى تقع تحت الشك فى نظره , هى 1/60 من نص الكتاب!! هذا يعنى ببساطة ان نسبك الشك هى 1.6 %!! كان هذا منذ ما يزيد عن القرن من الزمان , حيث كان هورت يرى ان هناك 60 نص أصابهم خطأ فى كافة المصادر المتوفرة! فماذا نقول اليوم , و نحن لا نُفعل التنقيح الحدسى فى نص العهد الجديد سوى فى نص واحد؟![12]

كختام لهذا الفصل , يلزم ان أُشير الى مُلاحظة هامة: فمهما كان نوع و حجم و كم الخلافات الموجودة بين مخطوطات العهد الجديد , فإن هذا ببساطة لا يُغير مفهوم الرسالة المسيحية الموجودة به على الإطلاق. أتذكر أحدهم , شبه هذا الموقف بتاريخ تاسيتوس. فمهما وُجدت خلافات بأى شكل فى مخطوطات تاسيتوس , فإن هذا لا يعنى على الإطلاق , أنه كتب شعراً يتغزل به فى نيرون! بل إن صورة نيرون هى هى فى نصوص تاسيتوس , مهما تغير لفظه بين نُسخه. تماماً , فإن العهد الجديد مهما تغير لفظه بين مخطوطاته و بقية شواهده , فإن هذا لا يعنى على الإطلاق ان صورة المسيح تغيرت!! بل إن الدارس لتاريخ تطور شرح العقيدة المسيحية , سيجد ان كل الخلافات بين الأرثوذكسية و الآخرين , هى مجرد خلافات تفسيرية للنص , و ليست خلافات فى ذات النص نفسه!!

بهذا , يتأكد لنا أن القراءة الأصلية محفوظة بصلابة , فى التقليد النصى للعهد الجديد. لنبدأ عبر الفصول التالية , فى شرح منهجيات و آليات النقد النصى , فى تعيين القراءة الأصلية , فى هذا التقليد.

تطور المنهجيات

المنهجيات النصية دائماً فى تطور مُستمر , و دائماً الناقد النصى يحاول الوصول الى أفضل نتيجة مُمكنة فى المنهجية التى يستخدمها. حتى يومنا هذا , هناك منهجيات جديدة تظهر للوجود , و منهجيات أخرى تتطور بشكل ملحوظ جداً. لعل السبب البسيط وراء هذا التطور المستمر , هو تقديم أفضل المنهجيات صحة و إستقامة , لتبدأ رحلة البحث عن النص الأصلى. هناك عدة عوامل ساهمت بشكل مُباشر و غير مُباشر , فى تطور منهجيات و آليات النقد النصى للعهد الجديد. فالقارىء المنتبه لتاريخ نص العهد الجديد المطبوع , سيعلم تمام العلم بأن بداية النشر , كانت بشكل عشوائى , دون فحص او مراجعة علمية. و مع وصول الصراع بين النص المُستلم و النص النقدى , تبدأ المنهجيات التى تتسم بالعلم العملى فى الظهور. كذلك , إكتشاف وثائق جديدة ترجع الى القرون الأولى , ساهم بشكل مُؤثر للغاية فى تطوير المنهجية. فى الحقيقة , إن إكتشاف هذه الوثائق القديمة , قلب المنهجية رأساً على عقب!!

و سنبدأ الآن فى دراسة المنهجيات , منذ عصر إيرازموس , الى عصرنا الحالى…


[1] لينتبه القارىء , بأن الحرف لا عصمة له. و لينتبه , بأن وحى العهد الجديد ليس حرفياً , ولا قدسية ابداً للحرف فى الإيمان الأرثوذكسى. و بالرغم من ان هذا الحرف غير معصوم بالمرة ولا قدسية له , فإنه محفوظ بدقة عالية , كما سنشرح عبر صفحات هذا الفصل. للمزيد من التفاصيل , راجع دراستنا: التحريف و العصمة فى ضوء النقد النصى.

[2] http://www.sebts.edu/DaVinci/Resources/downloads/integrity.pdf

[3] http://www.daveblackonline.com/interview_with_maurice_robinson2.htm

[4] Gospel Traditions In The Second Century, Edited By W. L. Petersen, P. 2

[5] Ibid, P. 52-53

[6] Text Of The New Testament, P. 296

[7] Ibid, P. 292

[8] فى مقالته: الفترة الفاصلة فى القرن العشرين للنقد النصى للعهد الجديد , نُشرت أكثر من مرة.

[9] Prespectives On New Testament Textual Criticism , P. 558

[10] Text Of The NT, 4th Edition, P. 271

[11] Introduction To NT In Original Greek, P. 2

[12] أع 16 : 12

أضف تعليق

تاريخ الإنتقال النصى فادي الكساندر

تاريخ الإنتقال النصى فادي الكساندر

مقدمة: تاريخ التاريخ

 

لكى نستطيع تحديد أهم و أفضل المخطوطات، لدينا وسيلتين. الوسيلة الأولى هى البرهان الداخلى، و الثانية هى تاريخ الإنتقال النصى. وسيلة البرهان الداخلى تعتمد على تفعيل البرهان الداخلى فقط على القراءات المتوفرة، و من ثم تحديد القراءة الأصلية عن طريق هذا البرهان فقط دون اللجوء إلى البرهان الخارجى. بعد ذلك، يتم فحص كافة المخطوطات المتوفرة لتحديد أى مخطوطات هى التى أثبتت القراءة التى توصلنا إلى أصوليتها. المخطوطات التى توافقت مع نتائج البرهان الداخلى، هى المخطوطات الأدق و الأفضل. أما الوسيلة الثانية، و هى محاولة تكوين “تاريخ الإنتقال النصى”، فهى وسيلة معقدة بعض الشىء، و لهذا ستكون هى محل هذا البحث.

 

و أنا دائماً أردد أن المفتاح لفهم علم النقد النصى، هو فهم ما يُسمى بـ “تاريخ الإنتقال النصى”. و ليس من السهل أن نجد تعريفاً واضحاً محدداً لهذا المصطلح فى كتب النقد النصى، فهو مصطلح شائك يتشائك مع تعريفه منهج العالم فى تحرى القراءة الأصلية. و لكن بشكل ما، فإن هذا المُصطلح يُقصد به: محاولة التعرف على الأشكال المختلفة للنص الموجودة فى شواهد النص المتوفرة، و شرح حيثيات ظهورها، بهدف تحديد الشواهد الأكثر موثوقية، و التى على أساسها يتم إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى. هذا التعريف قد يبدو للوهلة الأولى مُعقداً بعض الشىء، و لكنه التعريف المنهجى[1]. و لكى نعرف المصطلح ببساطة، فهو محاولة تكوين تاريخ دقيق لكيفية انتقال نص العهد الجديد، أى كيفية سير عملية النسخ فى العصور السابقة على عصر الطباعة. الهدف من هذه العملية هو تتبع ظهور القراءات، أسباب ظهورها، كيفية ظهورها، و كيفية انتقالها فى التقليد النصى المتوفر. بهذا الشكل، نستطيع تحديد الشواهد الأكثر عرضةً للخطأ النسخى، و تحديد أقل الشواهد عرضةً للخطأ النسخى، مما يعنى معرفتنا بالشواهد الأكثر موثوقية، و بالتالى يسهل علينا عملية إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى.

 

و يمكننا ملاحظة الوجود النظرى لمفهوم “تاريخ الإنتقال النصى” عند إيرازموس، ففى الحقيقة ايرازموس كان ناقداً نصياً. و لكن الآليات و الإمكانيات حالت بينه و بين التطبيق العملى، ذلك لأن العصر الذى عاش فيه إيرازموس لم يساعده كثيراً، و هو العصر الذى شهد اختراع الطباعة على يد جوتنبرج.

 

لكن البداية الحقيقية لترسيخ مفهوم تاريخ الإنتقال النصى، يبدأ فى حقيقته عملياً مع ظهور بينجل. ففى الحقيقة، بينجل هو المؤسس الحقيقى للنقد النصى، و لأنه أرسى مفهوم الإنتقال النصى، استحق بجدارة لقب الأب الروحى لهذا العلم. فما قام به بينجل بالفعل، هو تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب إتفاقها أو إختلافها. و لعل ما يلفت الإنتباه فى هذا هو كيف أن اللقب التصق به، فقط لأنه أرسى فكرة الإنتقال النصى و البحث فى تاريخه، و كأن النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى، مما يؤكد ما قلته فى البداية؛ فأهم ما فى النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى. هذا يذكرنا بمقولة هورت الشهيرة:”معرفة الوثائق يجب أن تسبق الحكم الأخير”[2]. فلكى تحكم على أية قراءة هى الأصلية، لابد أن يكون لديك معرفة كافية و وافية بالوثائق، أى بالمخطوطات. و بهذا الشكل يستطيع الناقد النصى تطوير الآلية أو المنهجية التى سيتبعها فى بناء نص العهد الجديد اليونانى.

 

ما قام به بينجل كان بمثابة فتح الباب أمام الكثير من العلماء فى القرون التالية، فقد وضع بينجل الأساس الذى يجب أن نبنى عليه، و هو ضرورة وجود تاريخ لكيفية إنتقال نص العهد الجديد أثناء عملية النسخ حتى وصل إلينا فى الشواهد المتوفرة. و كان من بين أهم العلماء الذين قدموا الكثير من الأعمال و المساهمات الحقيقية و الفعالة فى هذا المضمار، العالم سيملر و تلميذه جريسباغ. بينجل و جريسباغ خاصةً، قاموا بتطويرات هامة فى نقطة تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف. و من بعدهما، و مع مطلع القرن التاسع عشر، جاء العالم لاشمان الذى إنشغل بناحية أخرى فى بناء تاريخ الإنتقال النصى. كان عمل لاشمان يرتكز بشكل رئيسى على محاولة بناء شجرة عائلة للمخطوطات المتوفرة، و هو المنهج الذى تسمى فيما بعد بإسم “المنهج النَسبى”، أى الذى يبحث فى محاولة بناء علاقة تناسبية بين المخطوطات. و لاشمان كان يعرف و يدرك جيداً، أن ما يقوم به هو مجرد عمل نظرى فقط، يستحيل أن ينتقل إلى واقع. و لندرك أهمية تكوين شجرة العائلة فى نظر لاشمان، نحتاج أن نفهم الهدف من وراءها. تكوين شجرة العائلة يعنى أننا سنضع كل مخطوطة فى مكانها، و بالتالى كل قراءة فى مكانها، مما سيمكننا من معرفة أى قراءة سبقت الأخرى. هذا يعنى أننا سنصل فى مرحلة معينة إلى القراءة الأصلية!

 

و بالرغم من أن إمكانية تكوين شجرة عائلة للتقليد النصى بالكامل هى شبه مستحيلة بالفعل، إلا أن ذلك لم يمنع العلماء من تبنيها و محاولة بناءها. غير أن التفكير فيها بشكل تفصيلى، تأجل بعض الشىء مع نهاية القرن التاسع عشر، حينما جاء عمودى النقد النصى الحديث، ويستكوت و هورت. نجح هذين الإثنين فى دمج فرعى تاريخ الإنتقال النصى معاً: المجموعات و شجرة العائلة. أستطاع ويستكوت و هورت ببراعة، أن يقدما قاعدة منطقية فى كيفية عمل النقد النصى. فعملهما فى تقسيم المجموعات، ساعدهما جداً فى بناء شجرة عائلة للمجموعات، و ليس للمخطوطات!

 

لكى نفهم كيفية عمل كل هؤلاء العلماء بشكل صحيح، يجب أن نعرف أن النص السائد فى ذلك الزمان كان شىء ما يُسمى “النص المُستلم”. النص المُستلم هو إسم عدة إصدارات من العهد الجديد، و رغم أن هذا الإسم أُطلِق على إصدار تلى عصر إيرازموس، إلا أن الإسم أصبح ملتصقاً بإيرازموس جداً. فما فعله إيرازموس، هو أنه أستطاع الوصول إلى ستة مخطوطات، أقدمهم يرجع للقرن الحادى عشر، لكى يقوم بتحرير طبعته الأولى للعهد الجديد اليونانى. هذه المخطوطات نُسِخت فى عصر كان فيه نص قياسى بشكل ما. و بالتالى، جاءت هذه المخطوطات ممثلة لنوعية من النصوص تُسمى “النص البيزنطى” حالياً. لم يكن الإختلاف بينهم و بين بقية مخطوطات هذا النص كبيرة جداً، لذلك أُعتُبِر نص إيرازموس هو النص المُستلم. و قد إستمر النص المُستلم فى الوجود حتى عام 1831 حينما قام لاشمان بتجاهله تماماً، و أصدر طبعة نقدية بعيدة كل البعد عن النص المُستلم.

 

لقد قلنا أن العلماء نجحوا فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف، و هذه المجموعات هى أربعة مجموعات فى عصرنا الحالى:

 

  • النص السكندرى: و أهم شواهده السينائية، الفاتيكانية، البردية 66، البردية 75، بجانب الترجمة القبطية و ترجمات أخرى، مع الآباء السكندريين.

  • النص البيزنطى: و يمثله غالبية مخطوطات العهد الجديد، و أول ظهور له فى المخطوطة السكندرية فى الأناجيل الأربعة فقط، بجانب الترجمات المتأخرة، و الآباء الكبادوكيين.

  • النص الغربى: و أهم شواهده المخطوطة بيزا و اللاتينية القديمة و الفلجاتا و بعض الترجمات السيريانية، بجانب الآباء الغربيين.

  • النص القيصرى: و تمثله عائلتين من المخطوطات هما العائلة الأولى و العائلة الثالثة عشر و بعض المخطوطات الأخرى. أهم شواهده من الآباء هما أوريجانيوس و كيرلس الأورشاليمى.

 

غير أن هذا التقسيم لم يبدأ فى الظهور كما هو هكذا، بل إحتاج إلى دراسات و أبحاث متعمقة جداً حتى يبدأ فى الظهور. و هذا هو ما عمل عليه العلماء بدايةً من بنجل، مروراً بجريسباغ، حتى نصل إلى ذروة الدراسات فيه عند ويستكوت و هورت. كانت مسألة النص البيزنطى هى المشكلة الرئيسية عند ويستكوت و هورت. فالفكر السائد فى هذا العصر كان أن النص المُستلم هو النص الأصلى. لم يقتنع ويستكوت و هورت بذلك، و أدركا أهمية تكوين تاريخ إنتقال نص العهد الجديد، حتى يستطيعا تكوين النص الأصلى. لعل العامل الأكثر إستفزازاً لهما، هو وجود الإصرار على أصولية قراءات معينة موجودة فى مخطوطات متأخرة، و لكنها لم تكن موجودة فى المخطوطات الأقدم.

 

لحسن حظهما، فقد شهد عصرهما إكتشافات كبيرة جداً، خاصةً فى وجود عمل تشيندورف الدؤوب. إكتشاف المخطوطة السينائية كان مساعداً لهما جداً فى تكوين نظريتهما. كما أن إستطاعة تشيندورف نشر المخطوطة الفاتيكانية لأول مرة بعد إكتشافها بخمسة قرون كاملة، وفر لهما الكثير من البيانات المطلوبة. و بعد ويستكوت و هورت، لم يكن هناك ما يشغل علماء النقد النصى فى النصف الأول من القرن العشرين سوى تكوين تاريخ الإنتقال النصى. و لكن مع حلول منتصف القرن العشرين، أُهمِل العمل قليلاً فى تاريخ الإنتقال النصى، لأجل العمل المضنى فى المنهجيات. إهتم العلماء فى هذه الفترة بمنهج النقد النصى، حتى يستطيعوا تكوين النص الأصلى. ثم فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأ الإهتمام بتكوين تاريخ الإنتقال النصى مرة أخرى. العالمين بويسمارد و لامويلى وضعا نظرية تاريخ الإنتقال النصى لأعمال الرسل، و معهد البحث النصى للعهد الجديد أسس نظرية الفساد المتماسك، و عمل إيب و كويستر على برديات القرن الثانى للوصول إلى طبيعة النص فى هذا القرن، و عمل أمفوكس و فاجانى فى تطوير نظرية أولية النص الغربى، و عمل كارول أوسبورن فى المشروع العالمى لنص أعمال الرسل، و عمل هودجز و فارستاد فى نظرية نص الأغلبية. كل هذه النظريات تتعلق بشكل أو بآخر بشكل رئيسى بعمل ويستكوت و هورت فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات، أو النصوص المحلية. هذه النظريات الكثيرة المتوفرة على الساحة الآن، و التى تتعرض لكل نوع نص بشكل أو بآخر، هى هدف هذه الدراسة.

 

هناك بعض الأسئلة التى تحتم علينا أن نبحث عن إجابتها: ما الذى تم تحقيقه فى بناء تاريخ لإنتقال نص العهد الجديد؟ ما هى المساهمات التى قدمها تاريخ الإنتقال النصى للنقد النصى للعهد الجديد؟ كيف يجب أن نفهم أدوار كل نص محلى فى عملية تكوين النص الأصلى؟  ما هى المشكلات و العقبات الموجودة أمام نُقاد النص الآن؟ و بالأكثر، هل يسمح لنا تاريخ الإنتقال النصى بتكوين النص الأصلى؟ هذه الاسئلة هى محل إهتمام هذه الدراسة.

 

ما قبل النصوص المحلية

 

نعلم أن النص الأصلى لبعض أجزاء العهد الجديد، وهى رسائل لبولس، إستمر فى الوجود حتى أواخر القرن الثانى. لم ترد إلينا أخبار أخرى عن بقية نصوص العهد الجديد، و لكن المُرجح بالأكثر أن المسيحيين قد إحتفظوا بها لفترة معينة، و ذلك واضح من وجود قرينة السعى للحفاظ على الأصول كما يرد الخبر عند ترتيليان و غيره. فإذا كانت الأصول قد حُفِظت حتى أواخر القرن الثانى، فالمرجح بالأكثر هو عمل نسخ عنها الكثير من المرات. هذه النقطة فى غاية الخطورة لسبب واحد: لو أن الأصول نُسِخ عنها نسخة واحدة فقط، فإن هذا يعنى أن هناك مكان ما فى العهد الجديد، لم تتوفر القراءة الأصلية له فى التقليد النصى المتوفر. لكن المرجح أكثر هو النسخ المتكرر عن الأصول، مما يعنى إنتهاء دور العناية الإلهية بالحفاظ على القراءة الأصلية فى التقليد النصى المتوفر، و يأتى دور الناقد النصى فى تحديدها.

 

النُسخ التى تمت عن النص الأصلى، بالتأكيد إحتوت على أخطاء عديدة، و لكن فى هذه المرحلة لا يمكننا تخيل وجود قراءات تتعدى مرحلة العفوية. ففى هذه المرحلة كانت عملية النسخ بدائية جداً، كان الشغل الشاغل هو التعرف على النص فقط، الإطلاع عليه، قراءته، فهمه، و محاولة تطبيقه. هذه المرحلة البدائية لا يمكن أن نرى فيها أثراً لوجود قراءات تتعدى الخطأ العفوى أثناء عملية النسخ. يبرز هذا الإحتجاج بأكثر قوة، حينما ندرك الروح التى سيطرت على مسيحية القرن الأول. لا نرى أثراً لأى فكر هرطوقى فى القرن الأول، ولا نرى حوارات لاهوتية، ولا نرى خلافات حول طبيعة و هدف المسيحية. على جانب آخر، من الوارد جداً وقوع الأخطاء النسخية العفوية حتى فى النسخ الأصلية نفسها. نحن نعرف أن بولس كان يقوم بإملاء بعض الكتبة ليكتبوا بعض رسائله. هل يمكن أن يكون الكاتب الذى يمليه بولس يكون قد وقع فى خطأ نسخى؟ نعم، هذا الإحتمال وارد. فى هذه الحالة، أى نص هو المُراد تكوينه بالضبط؟ النص الذى نطقه بولس أم النص الذى كتبه الكاتب؟ لا يقدم لنا العلماء إجابة، و لكن هذا الإحتمال يمكن تخيله فقط إذا كنا قادرين على تحديد ما يُشير إلى وقوع خطأ نسخى جعل القراءة الأصلية تحتوى على خطأ نسخى. هذا الخيار و إن كان إحتمال نظرى وارد، لكنه غير وارد فى الواقع العملى على الإطلاق، مما يجعلنا لا نحتاج للإهتمام به بإفراط.

 

السؤال عن طبيعة النص الأصلى فى تاريخ الإنتقال النصى، جعل ميتزجر و ايرمان يقولا:”الموقف أكثر تعقيداً فى الأناجيل خاصةً، لأنهم متأسسين على تقاليد شفهية و مصادر مكتوبة لا نستطيع الوصول لها الآن بشكل إستقلالى. مثلاً، ما معنى إعادة تكوين النسخة الأصلية لإنجيل يوحنا؟ هل على الناقد النصى أن يُعيد تكوين أقدم نسخة و التى لا تحتوى على الإصحاح الواحد و العشرين؟ من غير المحتمل ذلك، لأن كل مخطوطاتنا اليونانية الكاملة تحتوى على هذا الإصحاح. إذن، هل نقصد إعادة تكوين الإصدار الأخير من الإنجيل و الذى يحتوى على هذا الإصحاح؟ إذا كان كذلك، هل علينا أن نعتبر قصة المرأة التى أُمسِكت فى زنا (يو 7 : 53 – 8 : 11) جزء من الإصدار الأخير أم أن هذه القصة قد أُضِيفت متأخراً جداً حتى تُعتبر أصلية؟”[3]. إن المشكلة الرئيسية فى هذه التساؤلات هى: فى أى وقت نستطيع أن نقول أن الوقت أصبح متأخراً جداً؟ أو كما وضعها أحدهم: متى يكون متأخراً جداً؟[4]

 

أحد أهم النظريات التى خرجت حول تاريخ انتقال النص فى مرحلة ما قبل النصوص المحلية، هى نظرية “النص الأولى”، و التى تقول بأن ما نستطيع تكوينه هو النص الذى منه ينحدر التقليد النصى المتوفر. السؤال هو هل النص الذى ينحدر منه التقليد النصى المتوفر هو النص الأصلى أم نص يختلف عنه؟ معهد البحث النصى للعهد الجديد يخبرنا حول هذه النظرية التالى:

 

“النص الأصلى للعهد الجديد لم يتوفر فى أى مخطوطة. كل المخطوطات تحتوى على قراءات تطورت خلاص التاريخ النصى فى عملية النسخ المستمرة. النص الأولي للتقليد (النصى) هو النص الذى يسبق عملية النسخ. و لأن هذا النص لم يتوفر فى أى مخطوطة، فيجب، على الجانب الأول، أن يتم إعادة تكوينه على أساس شواهد النص المتوفرة و الصورة الكاملة للتاريخ النصى التى نتجت عنه، و على الجانب الآخر على أساس ميزة كل ما يمكن معرفته حول هدف المؤلف. و هذا يؤدى إلى فرضية النص الأولي. بين نص المؤلف (أى النص الأصلى) و النص الأولي، قد يكون هناك تطورات لم تترك أثراً واحداً فى المخطوطات المتوفرة. و لهذا فالنص الأولي للتقليد (النصى) ليس بالضرورة متطابقاً مع نص المؤلف. و لكن، طالما أنه لا يوجد أى أسباب جوهرية تحتج عكس ذلك، فإن الفرضية العاملة الأبسط هى أن النص الأولى يتوافق بضخامة مع نص المؤلف، بجانب قراءات صغيرة كان يجب أن يتم التعامل معها أثناء عملية النسخ”[5].

 

و بالتالى، فإننا لا نستطيع أن نفترض وجود أكثر من القراءات العفوية فى مرحلة ما قبل النص الاولى، لأنه لا يوجد سبب واحد يجعلنا نفكر فى ذلك. الإحتمالات النظرية كلها واردة، و لكن الدراسة العملية الواقعية، لا تقول بأنه هناك ما يجعلنا وجود أكثر من الأخطاء النسخية العفوية فى المرحلة المباشرة بعد نشر النص الأصلى مباشرةً.

 

النصوص المحلية

 

بما أن نسخ المخطوطات باليد يعنى إستحداث أخطاء و قراءات فى المخطوطات، فإن هذه المخطوطات بدأت فى الإختلاف و الإتفاق حول مواضع معينة مع زيادة النسخ مرة تلو الأخرى. هذا الإختلاف و الإتفاق تم عن طريق تأثر المخطوطات ببعضها البعض فى المجتمعات المسيحية. و هذا الإختلاف و الإتفاق لم يكن شىء عشوائى، فأنتج مجموعات أو عائلات من المخطوطات، كل عائلة تتسم مخطوطاتها بالقرب الشديد فى مواضع الإتفاق و الإختلاف. هذه المجموعات تُسمى “أنواع النصوص” أو “النصوص المحلية”. و نشأة هذه النصوص المحلية يمكننا تشبيهها بالمثال التالى:

 

دعونا نفترض أن هناك أربعة نسخ تم عملهم عن النسخة الأصلية. هذه النُسخ تحتوى بداخلها على أخطاء. لكن الخطأ الموجود فى النسخة الأولى، لن يكون هو الخطأ الموجود فى بقية النسخ. كلما يتم عمل نسخ عن كل نسخة من الأربعة، ستحتفظ النسخ بخصائص النسخة التى تمت عنها النساخة من بين الأربعة. فلو أننا لدينا عشرة نُسخ نُسِخت عن النُسخة الأولى، و عشرة نُسخ نُسِخت عن الثانية، فإن العشرة نُسخ الأولى سيكونوا أقرب لبعضهم من العشرة نُسخ الأخرى. بهذا الشكل أصبح كل عشرة نُسخ هم عائلة. كل النسخ تحتوى على النص الأساسى، نفس النص بشكل عام، و لكن هناك أخطاء معينة خاصة بكل عائلة منهم. بالإضافة إلى ذلك، بداخل كل عشرة مخطوطات، قد نجد ثلاثة مخطوطات قريبين لبعض لدرجة أكبر من بقية المجموعة. هذا المثال هو نموذج مُصغر و مُبسط جداً للنصوص المحلية[6].

 

و رغم أننا غير واثقين من بعض التفاصيل، و لكن من الواضح جداً أنه فى تاريخ قديم جداً، تم إنتشار نسخ كثيرة من نص العهد الجديد فى فلسطين، الإسكندرية، و روما. و فى كل مكان من هذه المجتمعات، تم عمل نسخ كثيرة عن النسخ التى توفرت فى كل مكان منهم. النسخ السكندرية كانت تحتوى على نفس النص الأساسى مثل النسخ الرومانية، و لكن كل منهما يحتوى على خصائصه المتمايزة عن الآخر (طبق الآن المثال المعروض بالأعلى على النصوص المحلية).

 

نتيجة لهذا، تكون لدينا أربعة نصوص محلية، أو أربعة أنواع من النص، أو أربعة أشكال من النص، و هى: النص السكندرى، النص الغربى، النص البيزنطى، و النص القيصرى. النص السكندرى نسبة للإسكندرية، النص الغربى نسبة لروما و شمال أفريقيا، النص البيزنطى نسبة إلى بيزنطة و هى القسطنطينية فيما بعد، و النص القيصرى نسبة إلى قيصرية فى فلسطين. و لكن هناك خلاف بين العلماء حول حقيقة وجود النص القيصرى كنص محلى قائم بذاته.

 

النص البيزنطى

 

النص البيزنطى هو النص الذى نشأ فى القسطنطينية، و تحديداً فى القرن الرابع، و هو متوفر فى الغالبية العظمى للمخطوطات اليونانية. له العديد من الأسماء مثل: النص السيريانى (بحسب ويستكوت و هورت)، النص الكوينى (بحسب فون سودين)، النص الكنسى (بحسب كيرسوب ليك)، و النص الأنطاكى (بحسب روبز)[7]. و يقول غالبية العلماء أن هذا النص هو نص متدنى فى جودته و موثوقيته، نظراً لأنه نشأ فى القرن الرابع. قال ويستكوت و هورت أن هذا النص هو نتيجة تنقيح نقدى تم على يد لوسيان فى القرن الرابع، و لكن هذا الإحتجاج لم يعد مقبولاً بين العلماء الآن، فيقول ميتزجر و ايرمان:”تكشف الدراسات الحديثة للنص البيزنطى أنه موجود بشكل بدائى فى القرن الرابع فى كتابات آباء الكنيسة مثل باسيليوس الكبير و ذهبى الفم، و لكن شكله نهائى يمثل تقليد متطور بطىء، ليس النص الذى ظهر مرة واحدة فى وقت ما و مكان ما. بكلمات أخرى، لم يكن تنقيح نقدى نصى أُختُلِق عن طريق شخص واحد أو مجتمع واحد”[8].

 

و بشكل عام، لم يتغير الموقف العام الذى أسسه ويستكوت و هورت بأن موقف النص البيزنطى ضعيف جداً، ماعدا من مجموعة صغيرة من العلماء، مثل: زان هودجز، آرثر فارستاد، ويلبر بيكرينج، و فان بروجين. كل هؤلاء يقودهم إيمانهم حول نص الكتاب المقدس ككلمة الله، و ليس البرهان. و لكن هناك حالة شاذة واحدة، و هى حالة هارى ستورز. فى عام 1984، ظهر كتاب ستورز “نوع النص البيزنطى و النقد النصى للعهد الجديد”. إحتجاج ستورز الرئيسى فى هذا الكتاب هو: وجود قراءات بيزنطية معينة أتفق العلماء على أنها قراءات متأخرة، ثم ظهرت للوجود فجأة فى البرديات القديمة جداً التى أكتشفها العلماء فى القرن العشرين، بما يعنى وجود النص البيزنطى فى القرن الثانى. غير أن ردود العلماء الكثيرة عليه إجتمعت على خط واحد فى الإجابة: النص المحلى ليس قراءة واحدة أو اثنين أو ثلاثة، بل هو نطاق واسع يجب توفره فى القرن الثانى حتى نستطيع التأكد من وجوده فى القرن الثانى. و كان الإحتجاج الرئيسى للعلماء، أن هذه القراءات تم تغطيتها بيزنطياً، و ليس أنها دليل وجود النص البيزنطى. بمعنى، أن هذه القراءات كانت موجود فى القرن الثانى، و حينما نشأ النص البيزنطى أُختيِرت كقراءة بيزنطية.

 

هذا لا يعنى أن عمل ستورز لم يكن له أهمية، بل كان له عظيم الفائدة فى تخفيف قسوة نظرية ويستكوت و هورت؛ فقد إعتقدا أن النص البيزنطى لا يحتوى على أى قراءة أصلية على الإطلاق. و قد كان تأثيرهما ممتد على نقاد النص فى زمانهما، و لكن الآن هو:”أمر مقبول عامةً أن القراءة الأصلية قد تكون متوفرة فقط فى النص البيزنطى”[9]. و بشكل عام، لم يتغير موقف العلماء النقديين كثيراً من النص البيزنطى.

 

النص الغربى

 

إذا كان النص البيزنطى لا يوجد حوله الكثير من النقاشات، فإن النص الغربى أثار عدة مشكلات. نشأ النص الغربى، بحسب إعتقاد غالبية العلماء، فى القرن الثانى نتيجة ممارسات النسخ. و قد إعتبر ويستكوت و هورت هذا النص أنه نص فاسد، و لكنه يحتوى على القراءة الأصلية. و فى الحقيقة، كان هناك من العلماء من شكك فى وجود حقيقى للنص الغربى، و يذكر ميتزجر و إيرمان فى ذلك:”بعض العلماء شككوا فى وجوده كنوع من النص بسبب أن الشواهد التى توثقه لا تفعل ذلك بتماسك تام، و تفتقد التجانس الذى نجده فى أنواع النصوص الاخرى”[10]. و على العكس من النص البيزنطى، فلا أحد يعتبر النص الغربى تم بترتيب منظم. يقول كرت و بربارا آلاند:”لو نظرنا فى أى مكان فى الغرب، لن نجد عقل لاهوتى واحد لديه القدرة على تطوير على تطوير و تحرير نص غربى مستقل، حتى لو أن الرسالة إلى العبرانيين كُتِبت فى إيطاليا، كما يُقترح، فهى لا توفر متطلبات هذا الشخص. فى الفترة المبكرة لم يكن هناك تقليد نصى فى الغرب غير موجود فى الشرق، لقد كان هناك نص واحد له خصائص فردية تنوعت من مخطوطة لأخرى؛ ففى القرن الثانى لم يكن نص العهد الجديد ثابت بحزم”[11]. و هذا نفس ما يقوله ميتزجر و ايرمان من أن:”غالبية العلماء لا يعتبرونه عملية خلق للنص بواسطة فرد واحد أو عدة أفراد بمراجعة نص أقدم، إنما هو نتيجة نمو غير مُنظم و جامح للتقليد المخطوطى فى القرن الثانى”[12].

 

و فى كل الأحوال، فإن الرأى الغالب هو أن النص الغربى نشأ فى القرن الثانى، و إستخدمه آباء الكنيسة و الهراطقة أيضاً. غير أن هناك مناظرة قوية حول مدى تأصيل النص الغربى!

 

يعتمد الإحتجاج الرئيسى لأصالة النص الغربى على محورين هامين:

 

  • محور خارجى: و هو أن النص الغربى نص قديم جداً، نشأ فى القرن الثانى، و به دلائل عدم التحكم بالنص فى هذه الفترة.

  • محور داخلى: و هو ينطبق على أعمال الرسل فى النص الغربى، حيث يغلب عليه الطابع اللوقانى أكثر من نص السفر فى بقية النصوص.

 

و نلاحظ أن كافة المشكلات المتعلقة بالنص الغربى، تتأجج فى قمتها حول نص أعمال الرسل فى هذا النص. فكما ذكرنا فى عدة بحوث سابقة، نص أعمال الرسل فى النص الغربى أكبر من النص التقليدى له بنحو 8.5 % بحسب الإحصائية الدقيقة التى قدمها ميتزجر[13]. و يعتمد المحور الأول على توثيق النص فى غالبية كتابات الآباء المبكرين، بجانب أقدم الترجمات التى كانت بعيدة عن مصر مثل الترجمة السيريانية القديمة و الترجمة اللاتينية القديمة. هذا بالإضافة إلى وجود عدة برديات تنتمى للنص الغربى و كلهم لأعمال الرسل، مثل البردية 29، البردية 38، و البردية 48. و قد قام إيلدون إيب فى الستينات بدراسة أحد المخطوطات القبطية و تأكد أنها تشهد للنص الغربى أيضاً[14].

 

غير أن المشكلة الرئيسية فى الإدعاء بتأصيل النص الغربى، هى نفس المشكلة التى عرضها ميتزجر، و هى عدم التماسك التجانسى بين شواهد هذا النص. يقول بيتزر عن هذه المشكلة:”أنها حقيقة مُعترف بها بشكل عريض أن النص الغربى يختلف فى شواهده من واحد لآخر، ولا يستطيع الفرد أن يجد نفس الكفاءات و المعالم فى كل شواهده. فالقراءات الواردة فى بعض شواهده، محذوفة من البقية”[15].

 

و ما لاحظه العلماء أن هذا التشوش الكبير موجود بقوة ليس فى الشواهد الأكثر تأخراً، و إنما فى الشواهد القديمة نفسها، لدرجة أن بربارا آلاند وصفت نمو هذا النص على أنه يبدأ من نطاق واسع يبدأ يتوحد، و ليس نطاق موحد يبدأ فى التفرع! و هذه الظاهرة لم يستطع المعتقدين فى أصالة النص الغربى تفسيرها، و من يقرأ كلام أمفوكس و فاجاناى، ناقدى النص المؤيدين للنص الغربى المشهورين، لا يجد فى إحتجاجتهما تفسيراً تاريخياً نصياً مقبولاً لهذه الظاهرة الحقيقية. أمفوكس مثلاً يرى أن النص المُقدم فى مخطوطة بيزا هو أفضل ممثل للنص الأصلى، فيقول:”فرضية أولية النص الغربى تعنى أن أنه بالرغم من كل الخلاف فى القراءات الموجودة فيه، فإنه هو الممثل للنص كما كان قبل أى تنقيحات نقدية”[16]. و التفسير الذى قدمه أمفوكس هو تفسير نظرى بحت لا دليل واقعى عليه، و هو أن النص الغربى هو نص ما قبل التنقيح النقدى بكل أشكاله، و مع إنتشاره تعرض لأنواع متعددة من التغيير فى ظروف مختلفة، و تنقيحات نقدية، أدت إلى ظهور النص السكندرى و بقية أنواع النصوص[17].

 

هذه النظرية لا يوجد أى دليل عليها، فيقول بيتزر:”لا يوجد أى دليل صلب تم تقديمه على أن هذه العملية أخذت أى نطاق واسع فى تأثيرها على النص المخطوطى للعهد الجديد، ولا من العلماء القدامى ولا من أمفوكس”[18]. ثم يسميها بيتزر بأنها شىء نظرى جداً، لا وجود عملى له و يحتاج إلى دليل لإثباته.

 

أما المحور الداخلى، فيعتمد بشكل رئيسى على أن إسلوب أعمال الرسل فى النص الغربى لوقانى أكثر من نص أعمال الرسل فى النص السكندرى، و بناء على ذلك قالوا بأن لوقا نشر إصدارين لكتاب أعمال الرسل. الإصدار الأول هو نص أعمال الرسل بحسب النص الغربى، ثم قام بعد ذلك بعمل نُسخة مصغرة من هذا الإصدار، و هى النسخة الموجودة فى النص السكندرى. أول من طرح هذه النظرية هو ليكلير، و الذى رفض نظريته لاحقاً[19]. و من طوّر هذه النظرية بشكل ملحوظ هو الألمانى فريدريك بلاس. تتلخص رؤية بلاس فى أن لوقا كان قد أعد نسخته لأعمال الرسل، ثم أراد أن يرسل نسخة منه لصديقه ثيؤفيلوس. و لكن نظراً لأن لوقا لم يكن غنياً، فلم يمتلك المال اللازم لتأجير ناسخ، قام هو بنفسه بعمل نسخة. أثناء نسخه حذف بعض المقاطع و غير فى صياغات بعض المقاطع الأخرى. بعد ذلك إنتشرت النسختين و تم تداولهما، و تم عمل نسخ عن كل منهما. النسخة الأولى التى قام بها لوقا هى نص الاعمال بحسب النص الغربى، و النسخة الثانية هى نص الأعمال بحسب النص السكندرى[20]. و قد قدّم علماء كثيرين انتقادات كثيرة لهذه النظرية، أهمهم توماس جيير و روبيرت هال، رغم أنها جذبت عدد من العلماء المعروفين مثل ثيؤودور زاهن و ايبرهارد نيستل[21]. و يلخص بويسمارد موقف العلماء فى النصف الأول من القرن العشرين كالتالى:”و بشكل عام، فإن غالبية الدراسات الحديثة تفضل النص السكندرى عن النص الغربى، معتقدين أنه حتى لو أن النص الغربى يحتوى على بعض القراءات الأصلية القليلة، فإن بقية النص هو نتيجة مراجعة تمت فى النصف الأول من القرن الثانى و تميزت بالعادات اللاهوتية الواضحة”[22]. و تُعتبر دراسة عالم إيب فى المخطوطة بيزا التى أتمها فى الستينات، هى أفضل شاهد لهذا الإعتقاد العلمى. و فيما بعد، تأكد العلماء أن النص الغربى لم يكن وليد السيطرة أو التحكم، بل أنه نمو عشوائى كما أكد كولويل و آلاند و ميتزجر.

 

على الجانب الآخر، طوّر معهد الدراسات النصية للعهد الجديد بمونستر نظرية أخرى، قامت بربارا آلاند ببذل المجهود الأكبر فيها. يلخص بيتزر النظرية كما يلى:

 

“بتركيزها على محاولة إيجاد تفسير لعدم التجانس (بين شواهد النص الغربى)، ترى بربارا آلاند نشأة النص الغربى، و لعدة أسباب تسميه نص بيزا فى نظرية مونستر، كعملية تدريجية تصل إلى قمتها فى تنقيح نقدى رئيسى، أو تنقيح رئيسى، فى بدايات القرن الثالث أو أواخر القرن الثانى فى سوريا. هذا التنقيح الرئيسى يشهده بشكل رئيسى الدليل السيريانى، النسخة اللاتينية الإفريقية (القديمة)، المخطوطة بيزا، و مخطوطة الحروف الصغيرة رقم 614، و هى كل الشواهد التى تحتوى على نص غربى متجانس قليل أو كبير. و قبل بداية القرن الثالث، لم يكن هناك نصاً غربياً، و لكن فقط قراءات نشأت فى العملية الطبيعية لإنتقال نص العهد الجديد. هذه القراءات توسعت فيما يُسمى الآن بالتقليد الغربى حتى دخلوا إلى النص الغربى عن طريق ذاك الذى كان مسئولاً عن إنتاج هذا التنقيح الرئيسى”[23].

 

بهذه النظرية، ترى بربارا آلاند أنه كان هناك فترة معينة تسبق وجود النص الغربى، و لكنها كانت تحتوى على القراءات الغربية بالفعل. هذه الفترة يشهد لها آباء القرن الثانى، و خاصةً ايريناؤس و يوستينوس. غير أنه هناك مشكلة فى هذه النظرية، و هى التماسك اللغوى و الإسلوبى فى نطاق هذا النص، و الذى من الصعب أن يكون نتيجة عملية عشوائية. فى نفس الوقت، من غير المقبول تماماً وجود فكرة التنقيح النقدى كأساس للنص الغربى، لأن هذا لا يحمل تفسيراً للخلاف الهائل فى شواهد النص الغربى التى تحمل مفارقات كبيرة و واسعة فى تجانسها. يبرز هذا العامل أكثر، كما يقول بيتزر، فى الشواهد الأكثر قدماً، مما يعنى أن فكرة وجود تنقيح نقدى لا تفسر الدليل المتوفر. فكيف يمكن أن يكون هناك تنقيح نقدى، أى نص قياسى واحد فى الشواهد، و مع ذلك نرى الشواهد الأقدم غير متجانسة فى إطار واحد؟ ميتزجر يعلق على ذلك قائلاً:”هذا الشكل من النص الموجود بإتساع فى الكنيسة الأولى، و أستخدمه ماركيون، تاتيان، ايريناؤس، و آخرين، لا يمكن إعتباره تنقيح نقدى، لأنه ليس مُوحد ولم يكن كذلك أبداً”[24]، و يتفق معه ديفيد باركر فى نفس النتائج، فيقول:”بمقارنة النص اليونانى و اللاتينى، توصلت إلى أن شكل نص الأعمال الموجود فى هذه المخطوطة يرجع إلى النمو التطورى و ليس بسبب مراجعة واحدة شاملة”[25]. و سواء كانت نظرية مونستر أو نظرية العادات اللاهوتية التى لإيب[26]، ففى كل الأحوال يتفق غالبية العلماء على ثانوية النص الغربى، و أنه ليس أصلياً بأى حال[27].

 

إنعدام التجانس بين شواهد النص الغربى هو العامل الخارجى لإعتباره ثانوياً، أما العامل الداخلى فهو إنعدام الإتساق اللغوى. أبرز العادات الداخلية للنص الغربى هى إنعدام وجود إتساق لغوى داخله، مثل التوفيقات المتكررة، تكرار أشكال النص، إعادة الصياغة، و خاصية الأشهر للنص الغربى و هى الإضافات. لهذا قال العالم الألمانى الشهير كونزيلمان:”نوع النص هذا لا يُوجد له ممثل بمثاء نقاء النص المصرى (السكندرى)”[28]. و حينما قررت دراسة هذه التصريحات بنفسى، رجعت إلى كتاب روبز الذى وضع فيه نص أعمال الرسل فى بيزا بالمقابلة مع نص أعمال الرسل فى الفاتيكانية، و تأكدت بنفسى من صحة هذه التصريحات.

 

دافع أمفوكس و فاجاناى عن أولية النص الغربى بإستخدام نفس الإحتجاج اللغوى، قائلاً:”القراءات الغربية تحتوى غالباً على كلمات متكررة غير موجودة فى بقية أنواع النصوص. و من النظرة الأولى قد يبدو هذا كزلات غير مقصودة دخلت إلى نص لا يوجد به تكرارات و بقيت هناك لمدة من الوقت. و لكن هناك سبيل آخر للإستكشاف و هو الذى إقترحه مارسيل جوزيه، و هو أن ينظر الفرد لهذه التكرارات كواحدة من ضمن خصائص عديدة للإسلوب الشفوى، و هو عبارة عن مجموعة من الآليات البلاغية المُستخدمة للأغراض التعليمية فى مجتمعات الثقافة الشفهية”[29].

 

و ما يقصده العالمان هنا، هو أن هذه التكرارات ليس زيادات على النص، بل هى نص أصيلاً؛ و السبب فى ذلك هو أن التكرار أحد العوامل البلاغية المُستخدمة فى الإلقاء فى المجتمع الذى خرجت منه هذه النصوص. و ما قاله أمفوكس هنا هو ثورة بالفعل كما وصفها بيتزر، إذ أنه يدعونا إلى النظر لكتابات العهد الجديد من منظور مختلف تماماً. يدعونا أمفوكس إلى التفريق بين “النحو” و “البلاغة”، فالإسلوب فى إستخدام المفردات و حروف الوصل و ما إلى ذلك، هو شىء يختص بالكاتب نفسه. و لكن الإسلوب البلاغى يرجع بنا إلى ما قبل عصر التدوين نفسه، لدراسة الكيفية التى وصلت بها الرسالة. أمفوكس يقول فى ذلك:”رسالة النص موجودة بالأكثر فى التكوين البلاغى لكل قصة و الترتيبات السردية أكثر من المفردات نفسها. و لكن هذا النوع المُعقد من الكتابة المُشفرة غير مناسب للنشر العام”[30]. و لهذا كان يجب التعامل مع النص لجعله أقل يسراً فى الفِهم أثناء تداوله، فظهر النص السكندرى.

 

المشكلة الرئيسية فى هذا الإحتجاج أنه غير قائم على دليل! بالإضافة إلى ذلك، السؤال الهام يطرح نفسه بقوة: لماذا فى أعمال الرسل فقط؟! لم يطرح العلماء المعتقدين فى أصالة النص الغربى إجابة على هذا السؤال، ولا حتى أمفوكس فعل. و يجب أن نعى أننا نتكلم على أسبقية نصوص و ليس قراءات. بمعنى، نستطيع أن نجد قراءات أصلية فى النص الغربى، كما فى التقصيرات الغربية غير المُعتادة. لكن هذا لا يعنى أن النص الغربى بشكل عام أسبق فى أفضليته عن النص السكندرى الذى سنتكلم عنه الآن. و يبقى الحال كما عبر عنه بيتزر:”رغم أن هناك أدلة جديدة و نظريات دعمت أصالة النص الغربى فى العقد أو العقدين الماضيين، فهذه الأدلة و النظريات لم تنجح فى إقناع عَالم العلماء. ما نحتاجه هو نظرية شاملة تأخذ فى الحسبان كل أو أغلب المعالم و الظواهر المثبتة حول هذا النص. و حتى تخرج هذه النظرية للنور، يبقى من الأسهل رؤية هذا النص على أنه ثانوى المنشأ”[31].

 

النص السكندرى

 

يفتتح ميتزجر و ايرمان مناقشتهما للنص السكندرى بقولهما:”سيكون من الخطأ تصور أن ممارسات عملية النسخ الغير مُتحكم بها التى أدت إلى تكوين التقليد الغربى النصى، تم إتباعها فى كل مكان يتم إنتاج نصوص به فى الإمبراطورية الرومانية”[32]. و قد صدقا بالفعل، فالإجماع العام لعلماء النقد النصى للعهد الجديد، أن النص السكندرى هو نص حازم يقدم أفضل صورة ممكنة للنص الأصلى بإخلاص و نزاهة. هذا الحزم يسميه ميتزجر و ايرمان بـ “التحكم الواعى ذو الضمير الحى”[33]. و النص السكندرى له عدة أسماء، فهو النص المحايد عند ويستكوت و هورت، النص ما قبل السكندرى عند بروس ميتزجر، و هو النص الأصلى عند كرت و بربارا آلاند (أو القاسى فى تصنيفهما للبرديات). و يمثل هذا النص بشكل رئيسى: البردية 66، البردية 75، السينائية، و الفاتيكانية[34].

 

العوامل التى تجعل من النص السكندرى يحمل معالم الأصولية، إثنين[35]:

 

  • العامل الخارجى: و هو مدى جودة نص برديات القرن الثانى و الثالث.

  • العامل الداخلى: و هو الإتساق المتماسك فى المعالم و الخصائص الرئيسية لهذا النص، خاصةً فى البرديات القديمة.

 

دافع ويستكوت و هورت عن أصولية النص السكندرى، الذى هو النص المحايد فى نظرهما، و قدم هورت أكبر أجزاء مقدمته دفاعاً عن أصولية هذا النص. كان إعتمادهما الرئيسى على السينائية و الفاتيكانية، فجاءت البرديات التى تم إكتشافها فى القرن العشرين لتقوى إحتجاجهما. معروف لكل باحث فى النقد النصى، أن ويستكوت و هورت فضلا المخطوطة الفاتيكانية عن السينائية فى تحرير إصدارهما لنص العهد الجديد. فكانت المفاجآة بإكتشاف البردية 75، و التى تسبق الفاتيكانية بقرن و نصف من الزمان، لتؤيد الفاتيكانية أكثر من السينائية. بجانب الترجمة القبطية الصعيدية، و بعض الآباء السكندريين الذين نجح العلماء فى إعادة تكوين نصهم للعهد الجديد، يصبح الدليل فى قمة تماسكه لبناء قضية صلبة لأصولية النص السكندرى. بيتزر يصف أمر النص السكندرى بقوله:”النص يجرى كخيط ذهبى فى أقدم المخطوطات كلها”[36]، و يصفه ميتزجر و ايرمان:”ليس أمراً مفاجئاً أن نجد الشواهد النصية المرتبطة بالإسكندرية تشهد جودة عالية فى الإنتقال النصى من أقدم العصور. لقد كان هناك حيث يوجد خط قديم من النص نُسِخ و حُفِظ كما هو مُبرهن عليه فى كتابات كُتّاب الكنيسة من القرن الثالث و الرابع، مثل: أوريجانيوس، أثناسيوس، و ديديموس الضرير، و كما هو موجود فى هذه المخطوطات المُعتبرة مثل: البردية 66، البردية 75، المخطوطة الفاتيكانية، و المخطوطة السينائية، و فى مخطوطات من الترجمات القبطية”[37].

 

و هذا يرجع بالأساس للحقيقة التاريخية الهامة، و هى أن الإسكندرية مركز تجمع الثقافات و الكلاسيكيات و الفلسفات من حول العالم. كل دارس متعمق فى العصر اليونانى فى الإسكندرية، يعرف جيداً الحضارة العظيمة التى أسسها البطالمة فيها، منذ أن أسسها الإسكندر. بارت ايرمان يقول حول هذه الثقافة:”أدرك العلماء المعاصرين أن النُساخ فى الإسكندرية، و التى كانت مركزاً فكرياً رئيسياً فى العالم القديم، كانوا مدققين بشكل خاص، و حتى فى هذه القرون المبكرة، فهناك فى الإسكندرية، حُفِظ شكل نقى جداً للنص فى الكتابات المسيحية الأولى، لعقد بعد عقد، بواسطة نُساخ مسيحيين مُكرسين و مُدربين نسبياً”[38].

 

رغم هذا، فقد كان ويستكوت و هورت معتقدين بشكل خطير فى أن النص السكندرى، أو نصهم المحايد، هو النص الأصلى بعينه. و لكن الموقف الآن تعدل بعض الشىء، فلا يعتقد العلماء أن هناك مخطوطة أو أن هناك نوع من النص لا يحمل خطأ نسخى على الإطلاق. و لذلك، سمح العلماء بإمكانية وجود الخطأ فى النص السكندرى. غير أن أكثر ما يجب أن ننتبه له، هو أن النص السكندرى الأقل عرضة تماماً للخطأ النسخى.

 

تكوين التاريخ

 

بناء على ذلك، تم تكوين تاريخ الإنتقال النصى فى النقاط التالية:

 

  • كل مخطوطة، كل تيار نصى، كل نص محلى، كل عائلة، تحمل بداخلها برهان فسادها.

  • عملية انتقال نص العهد الجديد، تشهد على نفسها، بأنها بدأت بشكل عشوائى غير مُدرب، و أنتقلت بعد ذلك لعدة مراحل من الحزم، الى ان وصلت لمرحلة الدقة المطلوبة.

  • فى ضوء ما هو معروف و ثابت عن الثقافة الأدبية للعصور القديمة، فإن أغلب الخلافات المُتعمدة نشأت فى القرون المبكرة جداً للمسيحية.

  • لا تحمل الفترة الأولى لإنتقال نص العهد الجديد، أى دليل او برهان علمى، على وجود تنقيح نقدى مُحملاً بأيديولوجيات لاهوتية، سواء أرثوذكسية او هرطوقية، بإستثناء ماركيون. إنما التغييرات نشأت نتيجة “التصحيح”.

  • مساحة و تأثير هذا “التصحيح”، تختلف بشكل ملحوظ: فمن المُمكن ان تكون عملية التصحيح هى مجرد مراجعة النسخة على المثال المنقول عنه، و قد يأتى هذا التصحيح من القارىء او ناسخ ما لتصحيح اخطاء ناسخ المخطوطة دون العودة الى المثال الذى نُقلت عنه هذه المخطوطة، و قد تُراجع النسخة على مخطوطة أخرى غير التى نُقلِت عنها.

  • التيارات النصية السكندرية و البيزنطية، ليست إختلاقاً للقراءات، و إنما إختياراً بين القراءات.

  • النسبة العامة الحالية لتدعيم قراءة ما فى المخطوطات المتوفرة، لا تعكس بالضرورة النسبة العامة لتدعيم نفس القراءة فى المراحل الأقدم فى تاريخ إنتقال النص.

  • إنتقال نص العهد الجديد، تشكل و تأثر بشكل واضح و مباشر، بالظروف الخارجية المحيطة، التى أثرت جزرياً فى تاريخ الكنيسة المسيحية، مثل عصور الإضطهاد، سياسات الإمبراطورية البيزنطية، ظهور الإسلام، و الصراع الأرثوذكسى – الهرطوقى المُمتد ما امتدت الكنيسة المسيحية. بكلمات أخرى، لم يكن هناك “وضع طبيعى” تم فيه نِساخة العهد الجديد، بل قد تمت عملية الإنتقال تحت كل ظرف يمكن تخيله، إلا الظرف الطبيعى.

  • هناك قلة من مخطوطات الحروف الصغيرة، ثبت انها مأخوذة عن إحدى مخطوطات الحروف الكبيرة القديمة، و بالتالى فهذه المخطوطات لا تُعامل بتاريخ كتابتها، و إنما بحسب جودة النص الذى تحتفظ به.

  • من المُمكن إعادة تكوين تاريخ تكون بعض الأقسام الفرعية داخل النص المحلى الواحد، مثل العائلة 1 و العائلة 13، بشىء من الثقة. هذه المحاولات فى الأمثلة المُصغرة، تساعدنا بشكل كبير فى فهم تاريخ تكوين النصوص المحلية، و محاولة إعادة تكوينه.

  • دراسة النصوص الآبائية و الكُتَّاب القدامى، تقدم لنا مساعدات فى إعادة تكوين وضع الإنتشار الجغرافى فى إحدى حقبات التاريخ.

  • تاريخ الإنتقال النصى، يختلف بشكل جوهرى بإختلاف العامل الأدبى فى كتب العهد الجديد. فتاريخ انتقال نص الأناجيل يختلف عن تاريخ إنتقال نص الرسائل بشكل عام، و يختلف تاريخ انتقال نص الرسائل البولسية عن الرسائل الجامعة، و يختلف عنهم جميعاً سفر الرؤيا.

 

   فادى اليكساندر

28 – 10 – 2009

[1] Jacobus H. Petzer, The History of The New Testament Text: Its Reconstruction, Significance, And Use in New Testament Textual Criticism, In: New Testament Textual Criticism, Exegesis, And Church History: A Discussion of Methods, Edited By B. Aland & J. Dolbel, Pharos: Netherlands 1994, P. 11

[2] B. F. Westcott & F. A. Hort, The Greek New Testament With Dictionary, Foreword By Eldon Jay Epp, Hendrickson Publishers: USA 2007, P. xiii

[3] Bruce M. Metzger & Bart D. Ehrman, The Text of The New Testament: Its Transmission, Corruption & Restoration, 4th Edition: Oxford University Press 2005, P. 273-274.

[4] راجع بحثنا السابق “قراءة ثانية للخاتمة و الزانية” لأفكار حول هذا الموضوع.

[5] http://www.uni-muenster.de/INTF/Initial_text.html

[6] هذا المثال مأخوذ بتصرف عن العالم هارلود جرينلى، أنظر:

  1. Harlod Greenlee. The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition, Hendrickson Publishers: USA 2008, P. 40; See also, Introduction To New Testament Textual Criticism, 2nd Revised Edition, Hendrickson Publishers: USA 1995, P. 52.

[7] Metzger & Ehrman, P. 279

[8] Ibid.

[9] Petzer, P. 17

[10] Metzger & Ehrman, P. 276

[11] K. Aland & B. Aland, The Text of The New Testament: An Introduction To The Critical Editions & To The Theory & Practice of Modern Textual Criticism, 2nd Edition, English Translation By Erroll F. Rhodes, Eerdmans: USA 1989 (Paper Back Edition: 1995), P. 54-55.

[12] Metzger & Ehrman, P. 276

[13] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Edition: German Bible Society 1994, 5th Printing 2005, P. 223.

[14] Eldon J. Epp, Coptic Manuscript G67 & The Role of Codex Bezae As A Western Witness in Acts, In: Journal of Biblical Literature, Vol. 85, No. 1: 1966, P. 197-212.

[15] Petzer, P. 19

[16] Christian-Bernard Amphoux & Leon Vaganay, An Introduction To New Testament Textual Criticism, Cambridge University Press 1991, P. 94

[17] أنظر نظرية أمفوكس بالتفصيل فى المرجع السابق، ص 98 – 111، و خاصةً حديثه عن دور ماركيون فى ص 99 – 100.

[18] Petzer, P. 20

[19] Metzger, Textual Commentary, P. 223.

[20] M.-E. Boismard, The Texts of Acts: A Problem of Literary Criticism? In: New Testament Textual Criticism: Its Significance for Exegesis, Edited By Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, Oxford University Press 1981, P. 147

[21] Metzger, Textual Commentary, P. 224.

و قد قدم ميتزجر نقداً واسعاً شمل آراء العلماء فى نظرية بلاس هذه فى ص 225 – 226.

[22] Boismard, The Texts of Acts, P. 148.

[23] Petzer, History, P. 22. See Also Metzger, Textual Commentary, P. 234.

[24] Metzger, Textual Commentary, P. 233.

[25] David C. Parker, An Introduction To The New Testament Manuscripts & Their Texts, Cambridge University Press 2008, P. 289

و يكرر ذلك قائلاً:”دراستى فى المخطوطة بيزا ولدت الدليل بأن نصها لأعمال الرسل هو نتيجة مراحل من النمو. فمقارنة بيزا مع البردية 38 تقترح بأنه لم يكن هناك شكل واحد مُراجع للأعداد، إنما أن كلاً من المخطوطتين يشهد لمراحل مختلفة فى عملية النمو”، ص 298.

[26] مع ملاحظة أن هناك علماء كثيرين إختلفوا مع إيب فى نظرية العادات اللاهوتية، مثل باريت، و لكن ما ينصف نظرية إيب هو ليس فقط وجود العادات المعادية لليهودية فى المخطوطة بيزا و التى أشار لها إيب، و إنما أيضاً وجود بعض العادات الكريستولوجية فى نفس المخطوطة و التى أشار لها ايرمان.

[27] نظرية بلاس و نظرية آلاند ليستا الوحيدتين، بل هناك نحو تسع أو عشر نظريات عرضهما ميتزجر و باريت، و لكن إخترت هاتين النظريتين فقط لأنهما الأكثر شهرةً. للمزيد حول بقية النظريات أنظر:

  1. K. Barrett, A Critical & Exegetical Commentary on The Acts of The Apostles, Vol. 1, T&T Clark: USA – UK 1994, P. 20-26; Metzger, Textual Commentary, P. 223-231.

[28] Hans Conzelmann, Acts of The Apostles: A Commentary, (English Translation, Hermeneia Series), Fortress Press: USA 1987, P. xxxiv

[29] Amphoux & Vaganay, Introduction, P. 94

[30] Ibid, P. 95.

[31] Petzer, History, P. 25.

[32] Metzger & Ehrman, Text, P. 277

[33] Ibid, P. 277-278

[34] البعض يستثنى البردية 66 بسبب التصحيحات التى تحملها عند وجود خلاف بينها و بين الثلاث مخطوطات الأخرى.

[35] Petzer, History, P. 25

[36] Ibid, P. 26.

[37] Metzger & Ehrman, Text, P. 278

[38] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible & Why, Plus Edition, HarperSanFrancisco: USA 2007, P. 72; also the 2005 Edition, P. 72.

للتحميل اضغط هنا

أضف تعليق

هل يوجد كهنوت في العهد الجديد؟

هل يوجد كهنوت في المسيحية ؟

معقولية الايمان بالكهنوت.

يقول البعض ان جميعنا  كهنة ويستشهدون بالنص الوارد في بطرس الاولي 2 : 5 كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ فيقولون ان بطرس هنا يدعوا لكهنوت مقدس ويقصد جميع المسيحين .ونحن نؤمن ونقول امين ايضاً فالكنيسة تؤكد وجود الكهنوت العام ولكن ايضا تؤكد وجود الكهنوت الرعوي .فكيف تأسس الكهنوت في العهد الجديد .

ينبغي ان نري المبدأ التفسيري لمحتوي وحدة الكتاب المقدس .

اولا التشابه بين اله اسرائيل في العهد القديم والكنيسة المسيحية .

دعوة بطرس العامة للكهنوت الملوكي في بطرس الاولي 2 : 9 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ يقتبسها من خروج 19 : 6 وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ».فيدعوا الله هنا شعبه المختار اسرائيل بانه مملكة كهنة وامة مقدسة .وهنا يلمح بطرس عن استمرارية العلاقة بين اله اسرائيل  وكنيسة العهد الجديد أي انه ما زال هناك علاقة مستمرة للكهنوت العام.

يقول بولس الرسول ايضا في غلاطية 6 : 16 16 فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ. .الان المقارنة المذكورة بين اله اسرائيل في العهد القديم واله اسرائيل في العهد الجديد هي مفتاح هام لفهم ومنطقية الكهنوت الرعوي في العهد الجديد .

علي الرغم ان جميع الاسرائيليين في العهد القديم يمكن اعتبارهم كهنة بالكهنوت العام .الا انه كان هناك كهنوت رعوي .فبعد ذكر الكهنوت العام وتسمية الإسرائيليين بمملكة الكهنة يأتي نظام مرتب ومنظم وهو الكهنوت الرعوي. وهو مجموعة من  الكهنة يكرسون انفسهم للرب في خروج 19 : 22

22 وَلْيَتَقَدَّسْ أَيْضًا الْكَهَنَةُ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ إِلَى الرَّبِّ لِئَلاَّ يَبْطِشَ بِهِمِ الرَّبُّ».

وفي الآية 24 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبِ انْحَدِرْ ثُمَّ اصْعَدْ أَنْتَ وَهَارُونُ مَعَكَ. وَأَمَّا الْكَهَنَةُ وَالشَّعْبُ فَلاَ يَقْتَحِمُوا لِيَصْعَدُوا إِلَى الرَّبِّ لِئَلاَّ يَبْطِشَ بِهِمْ فما هو اذا هذا الكهنوت .؟هذا هو الكهنوت الرعوي الذي سيسلم الي اللاويين في خروج 32 بعد حادثة العجل الذهبي .

ويؤكد هذا سفر العدد 3 : 12

“«وَهَا إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ اللاَّوِيِّينَ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَدَلَ كُلِّ بِكْرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللاَّوِيُّونَ لِي

من الواضح ان اسرائيل العهد القديم تحتوي ثلاث تصنيفات .الكهنوت العام والكهنوت وكهنوت الكهنوت أي رئيس الكهنة للتوضيح اكثر .

ثلاث مستويات للكهنوت.

هناك طريقة اخري لرؤية منطقية الكهنوت الرعوي في العهد الجديد .بعد ان اصبحت اسرائيل تحت قياده موسي وهارون كان رئيس كهنة حسب خروج 30 : ٣٠‏وَتَمْسَحُ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي.فكان هارون رئيس الكهنوت وتحت يديه كهنة وهم ابناء ناداب وابيهو العازر ‏وايثامار .فهم كهنة ويخدمون مع رئيس الكهنة بحسب خروج 21 : 28 ويأتي بعد ذلك الكهنوت العام بحسب ما ذكرنا من قبل في سفر الخروج 19 : 6

عندما نقارن هذه البنية بالعهد الجديد .نري الترتيب كالاتي فاعلي مستوي هو رئيس الكهنة وهو الرب يسوع .فتقول الرسالة الي العبرانين 3 : 1 ١‏مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ،فلا يوجد احد اعلي من كهنوت يسوع فهو الكهنوت الأعلى في العهد الجديد . لكن هل يتوقف الترتيب الي هذا الحد فقط ؟تكشف لنا رسالة بطرس الاولي 2 : 5 : 9

٥‏كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. ٦‏لِذلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ:”هنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى”. ٧‏فَلَكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تُؤْمِنُونَ الْكَرَامَةُ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ، “فَالْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ، هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ” ٨‏”وَحَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ. الَّذِينَ يَعْثُرُونَ غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْكَلِمَةِ، الأَمْرُ الَّذِي جُعِلُوا لَهُ” ٩‏وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.

يذكر هنا النص الكهنوت العام .عند النظر الي هذه المستويات الكهنوتية في العهد الجديد بالإضافة الي المستويات الثلاثة المذكورة في العهد القديم .فأننا نسال اين هو المستوي الوسط وهو الكهنة .هل يعني هذا ان العهد الجديد لا يحتوي علي كهنوت الرعوي ؟  فان كان اعلي مستوي لكهنوت العهد الجديد يسوع والمستوي الثالث هو كهنوت عمومي بالتأكيد لابد ان نتوقع المستوي المتوسط وهو الكهنة الذين يخدمون يسوع .

وهنا السؤال هل هناك أي دليل كتابي يشير الي ان يسوع اسس كهنوتاً خدمياً مختلف عن كهونتنا ؟

الطريقة الاولي التي يمكن من خلالها اثبات ان هناك كهنوت رعوي من خلال اثبات كيف اعطي يسوع للرسل واجبات كهنوتية .وهنا نفهم انه يأسس كهنوتاً خدمي .يمكننا ان نتكلم في نقطتين فقط وهي مغفرة الخطايا وتقديم الذبيحة .

غفران الذنوب في يوحنا 20 “: 20 – 23 اعطي يسوع سلطان غفران الخطايا للرسل . ٢٠‏وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. ٢١‏فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا:”سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا”. ٢٢‏وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ:”اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. ٢٣‏مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ”.

نلاحظ هنا ان يسوع اقامهم علي غفران الخطايا من خلال خدمتهم كرسل .يتضح من كلام المسيح ان للرسل سلطان ان يصدروا حكماً بالغفران او لا .

وهذا الامر ليس غريباً علي الشعب اليهودي في العهد القديم . فقد ارتبط غفران الخطايا بشفاعة الكاهن بحسب لاويين 5 : 5 – 6  ٥‏فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ، يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. ٦‏وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا: أُنْثَى مِنَ الأَغْنَامِ نَعْجَةً أَوْ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ.

وايضاً سفر العدد 15 : 27 و 28

٢٧‏”وَإِنْ أَخْطَأَتْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ سَهْوًا، تُقَرِّبْ عَنْزًا حَوْلِيَّةً ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، ٢٧‏”وَإِنْ أَخْطَأَتْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ سَهْوًا، تُقَرِّبْ عَنْزًا حَوْلِيَّةً ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ،

هذه الآيات تتكلم عن تعامل الله مع خطية الانسان من خلال الكاهن .فلم يكن من مشيئة الله ان يعترف الشعب الي الله بخطيتهم علي انفراد .بل تضمن اعترافهم بالخطية كجزء من خدمة الكاهن في ضوء سياق العهد القديم .فطلب يسوع من الرسل ان يغفروا الخطايا .كما فعل الله في العهد القديم بالتالي يربط خدامه المعينين الجدد ايضاً بخدمة غفران الخطايا وبذلك يعلن يسوع ان رسله كما في العهد القديم هم كهنة .

من المهم ان نشير الي نقطة علمية في العهد القديم .لم يكن الكاهن قدرة علي غفران الخطايا للفرد من ذاته . لكن يقدم ذبيحة مرئية كرمز مرئي للتوبة علي امل ان ينالوا رحمة من الله .في العهد الجديد كان الكهنة لديهم قوة فعليه لغفران الخطايا ويدينون بالفعل بحسب يوحنا 20 ويوحنا 23 .

نحن لا نقول ان الرسل هم من يغفرون الخطايا بقوتهم الخاصة بل بقوه اسم يسوع ذاته .الكهنة يمارسون تلك القوة بسلطان اسم يسوع .

الذبيحة

الواجب الكهنوتي الثاني الذي اعطاه يسوع للرسل هو تقديم الذبيحة فبعد ان كرس يسوع الخبز قال افعلوا هذا لذكري لوقا 22 : 19  مع العلم ان ذبيحة العهد القديم  مرتبطة بالكهنوت فاذا استطعنا اثبات ان يسوع يأمر الرسل بعمل الذبيحة سنكون قادرين علي اثبات الكهنوت بسهوله .

فهناك عده قرائن في العشاء الاخير الصيغة اليونانية للكلمة اصنعوا هي فعل امر وفقاً لليوناني اشارة الي قدموا هذا أي يقصد الذبيحة دائما تقترن بالذبيحة .الكلمة اليونانية do هي poiein مترافقة في النص باسم poiete والي تستخدم في السبعينية دائما مترافقة مع الذبيحة .علي سبيل المثال خروج 29 : 38 كان يتم تقديم حمل بعمر سنة 38 «وَهذَا مَا تُقَدِّمُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ: خَرُوفَانِ حَوْلِيَّانِ كُلَّ يَوْمٍ دَائِمًا. 39 الْخَرُوفُ الْوَاحِدُ تُقَدِّمُهُ صَبَاحًا، وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تُقَدِّمُهُ فِي الْعَشِيَّةِ الكلمة اليونانية لكلمة تقدمة هي poiein ليها تصريف poieseis بحسب لاويين 9 : 7 ومزمور 66 : 15 وهذه نمازج لاستخدام الكلمة للإشارة الي الذبيحة .فيقول موسي لهارون في لاويين 9 : 7 . ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «تَقَدَّمْ poiein إِلَى الْمَذْبَحِ وَاعْمَلْ ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِكَ وَمُحْرَقَتَكَ، وَكَفِّرْ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنِ الشَّعْبِ. وَاعْمَلْ قُرْبَانَ الشَّعْبِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ»في مزمور 66 : ١٥‏أُصْعِدُ لَكَ مُحْرَقَاتٍ سَمِينَةً مَعَ بْخُورِ كِبَاشٍ. أُقَدِّمُ بَقَرًا مَعَ تُيُوسٍ. سِلاَهْ. نجد ان اصعد جاءه من نفس الكلمة المستخدمة ايضاً في العشاء الاخير فمن المنطقي ان نفهم ان يسوع امرهم بتقديم ذبيحة العهد الجديد بالتالي جعلهم كهنة .

بالإضافة لهذا الدليل بحسب متي 12 : 1- 8 كان الرسل يقطفون الحبوب ليأكلوا يوم السبت واعترض الفريسيين واعتبروا هذا الامر كسر للسبت .وسجل متي في انجيله 12 : 2 قائلين انظروا تلاميذك يفعلون ما لا يجوز عمله في السبت .دافع يسوع وذكرهم بما فعله داود ورجاله عندما اكلوا من خبز الوجوه المخصص للكهنة.وقال لهم الم تسمعوا ان داود عندما جاع والذين معه دخلوا بيت الله واكلوا خبز الوجوه الذي للكهنة فقط هذه القصة واردة في صموئيل الاول 21 .

هنا نلفت انتباه ان اكل خبز الوجوه كان للكهنة ويجب ان نعلم خلفيات العهد القديم فموسي امر كل يوم سبت هارون وبنيه بحسب ٨‏فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ يُرَتِّبُهُ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِيثَاقًا دَهْرِيًّا. ٩‏فَيَكُونُ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ، فَيَأْكُلُونَهُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ، لأَنَّهُ قُدْسُ أَقْدَاسٍ لَهُ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً”. فسمح للكهنة يوم السبت ان يعملون دون ان يقع عليهم خطية او ذنب .وهذا الذي يريد المسيح ان يذهب اليه ذهن الفريسيين .ان تلاميذي ككهنتكم لماذا تعترضون ومسموح لكهنتكم الاكل في السبت ؟

وبالمثل متي 12 : 5 يشير يسوع الي الامتياز الكهنوتي لكسر السبت فيقول اما قراتم كيف يدنس الكهنة الهيكل يوم السبت وهم ابرياء .فذبيحة السبت هي التي يشير اليها يسوع في سفر العدد 28 : 9 و 10

كل هذا يكشف امتيازات كهنوتية للرسل .فلماذا يستخدم يسوع مثالين للامتياز الكهنوتي لكسر السبت ان لم يكن ينوي ان يكون هناك كهنوت ويربطها بشكل عميق مع الرسل؟

الرسل ككهنة

اثبتنا معقولية الكهنوت الرعوي وانه كهنوت متميز عن الكهنوت العام وان يسوع شكل الرسل ككهنة واعطاهم وجبات الكهنوت .وامتياز كسر السبت دون أي تحمل للذنب .لكن السؤال الان هل كان الرسل يعترفون بطابعهم الكهنوتي ؟الاجابة نعم

علي سبيل المثال اعمال الرسل الاصحاح الاول عمل قرعة لمعرفة من سيحل مكان يهوذا .اي من سيتولى واجباته الرسولية .وهذه القرعة هي نفسها التي استخدمها داود لتحديد في أي وقت سيكون احد من نسل داود في الهيكل نقرا هذا في اخبار الايام الاول 24: 5 ٢٤‏وَهؤُلاَءِ رُؤُوسُ بُيُوتِ آبَائِهِمْ: عَافَرُ وَيَشْعِي وَأَلِيئِيلُ وَعَزْرِيئِيلُ وَيَرْمِيَا وَهُودَوْيَا وَيَحْدِيئِيلُ،، رِجَالٌ جَبَابِرَةُ بَأْسٍ وَذَوُو اسْمٍ وَرُؤُوسٌ لِبُيُوتِ آبَائِهِمْ.

وفي الاية 8 نجد النظام من خلال القرعة . ٨‏وَبَالِعُ بْنُ عَزَازَ بْنِ شَامِعَ بْنِ يُوئِيلَ الَّذِي سَكَنَ فِي عَرُوعِيرَ حَتَّى إِلَى نَبُوَ وَبَعْلِ مَعُونَ. فهنا نظمهم من خلال القرعة .

مقطع اخر يشهد علي ذلك هو لوقا 1 : 8 – 9  يسجل زكريا انه كان يخدم امام الله ووفقا لعادات الكهنوت جاءة عليه القرعة ليدخل هيكل الله ويشعل البخور .لاحظ زكريا وواجبات الكهنوت .

في ضوء هذه التقاليد ان القاء القرعة يشير الي شخص له وظيفة كهنوتية رسوليه .

مقطع اخر هو رومية 15 : 15 – 16 يقول الرسول ١٥‏وَلكِنْ بِأَكْثَرِ جَسَارَةٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ جُزْئِيًّا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كَمُذَكِّرٍ لَكُمْ، بِسَبَبِ النِّعْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لِي مِنَ اللهِ، ١٦‏حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيَكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.

بولس يقول الخدمة الكهنوتية وهي كلمة هيروجونتا وهي صيغة فعل من كلمة هيريوس التي تستخدم بشكل شائع علي كهنوت اليهود .مثل الكهنوت الوارد في خروج 28 : 1 و 4 و 41 عن كهنوت هارون وولادة فكلمة الكاهن جاءة هيريس فاذا راي بولس ان عمله مثل منظور الكهنوت في العهد القديم منصب رسولي .

الدليل الثاني استخدام بولس كلمة ليتر غوس خادم المسيح وهو استخدام في التقليد اليهودي لعمل الكهنوت .

وتستخدم في خروج 35 : 28 عن الهدمة الذي يفعلها هارون داخل الهيكل وتصف ايضا يسوع كخادم للهيلكل عندنما يقول لنا رئيس كعهنة ليترغوس وهذا ما تحدث عنه عبرانيين 8 : 1 – 2 يري بولس يسوع رئئيس كهنة حقيقي ويري بولس نفسا مشارك الكهنوت في كهنوت المسيح وهو اتمام كهنوت العهد القديم لذلك يعتبر بولس نفسه كاهن

هنا ننتهي الي بناء جديد لكهنوت رعوي اساسة موازي لكهنوت العهد القديم لكنه تغيربسكني الروح القدس وامتيازات جديده .فاراد المسيح ان يكون لكنيسته كهنوت رعوي ترتيبي .

https://www.catholic.com/magazine/print-edition/the-biblical-blueprint-for-the-priesthood

أضف تعليق

الرد على شبهة صراع يعقوب مع الله – دراسة أكاديمية

الرد على شبهة صراع يعقوب مع الله – دراسة أكاديمية

سنتناول الشبهة في نقاط رئيسية

  1. خلفيات النص ما قبل الصراع لفهم مفهوم الصراع.

  2. من هو يعقوب؟

  3. مفهوم الصراع هل صراع روحي أم جسدي.

  4. مفهوم الصراع النفسي.

  5. الرأي اليهودي.

  6. المعنى الروحي.

1-خلفيات النص ما قبل الصراع لفهم مفهوم الصراع.

يذكر الكتاب المقدس يعقوب منذ الطفولة ومرحلة الشباب ثم مرحلة الشيخوخة. فيبدأ الكلام عن يعقوب في الكتاب المقدس من سفر التكوين 25 الى سفر التكوين 30.

ويتحدث النص الكتابي عن سرقة يعقوب البركة بحسب تكوين 27

ثم ينتهي به الأمر بالصراع وهو محور حديثنا اليوم في تكوين 32

2-من هو يعقوب؟

يعقوب هو ابن اسحق وهو الابن الثاني فيذكر الكتاب ولادتهم في التكوين 25 وكان ليعقوب أخ يدعى عيسو ويذكر النص انه خرج ويديه قابضه في عقب عيسو. فالكلمة العبرية عقب تشير أيضا الى الغش وكأن الغش مرافق له منذ ولادته. ثم سيأخذ بكورية عيسو. ويأخذ البركة. فالكبير في هذه الثقافة هو من يرث فكان معين على عيسو أن يرث والده. لكن ما حدث هو العكس مثلما حدث مع اسحق انه ورث بدلاً من اسماعيل وإسماعيل كان الأخ الأكبر.

ثم نجد أن رفقة كانت تفضل يعقوب بانيه هذا على معاملات الهيه لها وقالت ليعقوب ان يحضر جلد ماعز لان اخوه عيسو مشعر. ثم استولى يعقوب على البركة. ومن هنا ستبدأ المشكلة التي سينطلق منها الصراع. ثم تقول رفقة لإسحاق لا نريد أن يتزوج يعقوب من بنات حث وستدعوه ان يذهب الى خاله لابان.

التكوين ٢٧: ٤٦ ٤٦‏وَقَالَتْ رِفْقَةُ لإِسْحَاقَ: “مَلِلْتُ حَيَاتِي مِنْ أَجْلِ بَنَاتِ حِثَّ. إِنْ كَانَ يَعْقُوبُ يَأْخُذُ زَوْجَةً مِنْ بَنَاتِ حِثَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ مِنْ بَنَاتِ الأَرْضِ، فَلِمَاذَا لِي حَيَاةٌ؟”.

وبذلك أيضًا يهرب من عيسو الذي كان يريد قتله.

التكوين 28

١٠‏فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ.

وعندما خرج يعقوب من بئر السبع شاهد يعقوب حلماً.

التكوين ٢٨: ١١

وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ.

يقول النص ان الشمس قد غابت ثم بعد ذلك سيرى الحلم.

تكوين 28: 12

“وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا (בו)” فاذا سلم منتصب على الأرض.

لذلك نقول على العذراء مريم يا سلم يعقوب. لان الرب اخذ منها جسداً وفتح لنا باب السماء.

 ١٣‏وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: “أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ. ١٤‏وَيَكُونُ نَسْلُكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، وَتَمْتَدُّ غَرْبًا وَشَرْقًا وَشَمَالاً وَجَنُوبًا، وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. ١٥‏وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ”. ١٦‏فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: “حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!”. ١٧‏وَخَافَ وَقَالَ: “مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ”.

ثم سيأخذ يعقوب عهداً على ذاته وسيتذكره فيما قبل الصراع الذي سنتحدث عنه.

التكوين ٢٨: ٢٠

٢٠‏وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا قَائِلاً: “إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ، وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ،

التكوين ٢٨: ٢١

٢١‏وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا،

ثم يصل يعقوب عند لابان. ويرى راحيل عند البئر. فالبئر دائماً في الخلفيات معظم من يذهب اليه النساء ويحدث احيانا خطوبة فأحيانا يرافقهم شباب لمرافقتهم. سيذهب يعقوب الى لابان ثم سيغشه لابان. فالغش سيظل مرافق يعقوب فتم غشَّ يعقوب وغش في نفس الوقت. فجلس سبع سنين لدي لابان ليعمل ليأخذ راحيل لكن لابان أعطاه ليئة. ثم سيعمل سبعة سنوات أخرى ويتزوج راحيل. فراحيل هي المرأة المحبوبة في الكتاب المقدس. التي ظل يعقوب 14 سنة لكي يتزوجها. ثم ستكون راحيل عاقر وتعطي ليعقوب جاريتها بلهة.

التكوين ٣٠: ٨

٨‏فَقَالَتْ رَاحِيلُ: “مُصَارَعَاتِ اللهِ قَدْ صَارَعْتُ أُخْتِي وَغَلَبْتُ”. فَدَعَتِ اسْمَهُ “نَفْتَالِي”.

فما هو مفهوم الصراع هنا هل صراع باليد وضرب؟ أم انه بالصلاة تطلب ولد من الله ليعقوب.

ثم ستنجب راحيل وتلد يوسف وبنيامين وستموت راحيل عند ولادة بنيامين لذلك أسمته ابن العذاب. ويصبح يعقوب ثري كثيراً بحسب النص الكتابي.

التكوين ٣٠: ٤٣

٤٣‏فَاتَّسَعَ الرَّجُلُ كَثِيرًا جِدًّا، وَكَانَ لَهُ غَنَمٌ كَثِيرٌ وَجَوَارٍ وَعَبِيدٌ وَجِمَالٌ وَحَمِيرٌ.

فكوَّن يعقوب أسرة وأصبح غني واراد ان يرجع بعد حقد لابان وأبناءه.

التكوين ٢٧: ٤١-42

٤١‏فَحَقَدَ عِيسُو عَلَى يَعْقُوبَ مِنْ أَجْلِ الْبَرَكَةِ الَّتِي بَارَكَهُ بِهَا أَبُوهُ. وَقَالَ عِيسُو فِي قَلْبِهِ: “قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي”. ٤٢‏فَأُخْبِرَتْ رِفْقَةُ بِكَلاَمِ عِيسُوَ ابْنِهَا الأَكْبَرِ، فَأَرْسَلَتْ وَدَعَتْ يَعْقُوبَ ابْنَهَا الأَصْغَرَ وَقَالَتْ لَهُ: “هُوَذَا عِيسُو أَخُوكَ مُتَسَلّ مِنْ جِهَتِكَ بِأَنَّهُ يَقْتُلُكَ.

فكان يعقوب خائفًا ومرعوباً فعيسوا قد يقتل أسرته ويهلك يعقوب وكل ما معه. فعند ذهابه استخدم تفكير استراتيجي هل يجعل نفسه في النهاية ويقدم عائلته؟ وخصوصاً انه سمع أن عيسو سياتي ومعه 400 شخص. فأحس يعقوب أن عيسو قد جاء للحرب.

مفهوم الصراع هل صراع روحي ام جسدي؟

بعد شرح هذه التفاصيل الهامة نأتي الان للنص محور حديثنا الآن. وهو الوارد في تكوين 32

التكوين ٣٢: ٢٢

٢٢‏ثُمَّ قَامَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَأَخَذَ امْرَأَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ وَأَوْلاَدَهُ الأَحَدَ عَشَرَ وَعَبَرَ مَخَاضَةَ يَبُّوقَ. ٢٣‏أَخَذَهُمْ وَأَجَازَهُمُ الْوَادِيَ، وَأَجَازَ مَا كَانَ لَهُ. ٢٤‏فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ.

الآية 23 و24 تقولان انه عبر بأولاده 11 مخاضة يبوق وهو أحد روافد نهر الأردن. تقول بعض المراجع. بقي يعقوب وحده فيبدو أن يعقوب عبرهم الى النهر وبقي هو من الخلف من الواضح انه يريد الاختلاء في هذا المكان وحيداً. فالصراع تم حتى الفجر. ولعل يمكن أن يكون هذا خطة يعقوب ان يتم تمهيد الطريق له عند اخوه.

فصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. من هو هذا الإنسان؟

ثم يقول الأصحاح

‏وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. ٢٦‏وَقَالَ: “أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ”. فَقَالَ: “لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي”. ٢٧‏فَقَالَ لَهُ: “مَا اسْمُكَ؟” فَقَالَ: “يَعْقُوبُ”.

فكيف يكون غير قادر عليه طوال الليل ثم يخلع له فخذه؟

٢٨‏فَقَالَ: “لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ”. ٢٩‏وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: “أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ”. فَقَالَ: “لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟” وَبَارَكَهُ هُنَاكَ. ٣٠‏فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ “فَنِيئِيلَ” قَائِلاً: “لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي”. ٣١‏وَأَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ إِذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ. ٣٢‏لِذلِكَ لاَ يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِرْقَ النَّسَا الَّذِي عَلَى حُقِّ الْفَخْذِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهُ ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِ يَعْقُوبَ عَلَى عِرْقِ النَّسَا.

لم أطلقك إن لم تباركني؟ وسأله ما اسمك؟ فقال اسمي يعقوب. فقال لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد بل اسرائيل فغير الله اسم يعقوب. ومن هنا جاءه تسمية إسرائيل.

مثلما الكنيسة عندما تعمد شخص تغير اسمه. فانتقل يعقوب من حاله الى حالة. وتغير اسم يعقوب ومكانه لأسماء جديدة وهوية جديدة. فبقيت هوية شعب الله اسرائيل هو الذي يجاهد مع الله.

يقول النص انت صراعة الله والناس فاين صارع يعقوب الناس؟ بعض اللاهوتيين قالوا انه صارع الظهور الالهي كانسان

وسمي يعقوب المكان فنوئيل قائلا إني رأيت الله وجه لوجه. فالله كلم موسي وجهاً لوجه؟ وهي عباره عن قرب العلاقة مع الله. الشخص الغشاش يعقوب أصبح شخص جديد باسم جديد بصفحة جديده ويكلم الرب وجه لوجه. فدخوله بهذا الصراع جعله يتغير وعنوان الصراع الحقيقي رؤية وجه الله. أي القرب من الله.

ماذا حدث أثناء بقاء يعقوب لوحده؟

يقول الرابي Joe Blair

كان يعقوب يشعر أن عيسو يريد قتله وكان خائفاً للغاية. فهو يمكن أن يكون مع لقاء قريب في الموت. تذكر يعقوب ما فعله من الخطايا والاخفاقات ونقاط ضعفه وكل الأشياء الأخرى. وبكى واسترحم الله وتذكر حماية الله ورعايته له. يبدو أن يعقوب كان يتعامل مع ماضيه. ويعيد الله تسميته إسرائيل مما يعني “أنه يجاهد، يجاهد مع الله”

التفسير النفسي للصراع السيكولوجي

كان صراع يعقوب الحقيقي صراعًا داخليًا، رعب من اخوه، خوف على أسرته من القتل. وهذا ما جعله يراجع حياته فالعقل الواعي تصارع مع عقل يعقوب اللاواعي. تناقضات شخصيته وحياته تصارعوا فكما لو كان شخص أخر داخل يعقوب. وهذا ترجم من خلال اسمين ليعقوب. فهذا يشير الى جانب روحي.

٢٤‏فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ.

نجد أن الإنسان هو الذي بدأ الصراع مع يعقوب وليس يعقوب. فصارعه إنسان أي وضعه أمام مخاوفه وأمام نفسه وأمام نفسه وخطاياه واما ضميره وقلقة فبكى واسترحم، فقد نسي يعقوب الوعد بالبركة واقامة النسل ووقع في مخاوفه.

كيف نفسر الصراع انه روحي وانخلع حق فخذ يعقوب؟

يقول النص الكتابي انه بلمسه واحده قد انخلع حق فخذ يعقوب ! فهذا النص يؤكد انه ليس صراع جسدى فان كان صراع يعقوب جسدي وان كان بلمسه واحد انخلع حق فخذه  لمات يعقوب في هذا الصراع لقوة من يصارعه .

قد يقول البعض ان كان صراع روحي فكيف ينخلع حق الفخذ .ببساطة شديده

الصراع الروحي أو العمل المعجزى الإلهي يترك أثر  ليتذكر الشخص العمل الإلهي ولا يتكل علي قوته ولعل أبرز الأمثلة معجزة العذراء مريم مع تأسوني أليصابات ببورسعيد فما فعلته لها العذراء في الحلم وجدته في الطبيعة كاثر جسدي. يمكن مشاهدة هذا الفيديو على اليوتيوب

إذا فلماذا لمس حق فخذ يعقوب؟

ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه العديد من الترجمات ذكرة لمس  فالكلمة العبرية تشمل المعنين لذلك البعض ذكر انها ضربه خفيفة .ليتذكر دائما ما حدث ويعلمه التواضع وعدم التفاخر بغناه او مجده الذي منحه الله. وليتذكر البركة دائماً. مثلما تكلم بولس عن ضعف نظره وقال ان هذا يذكره بعدم تمجيد نفسه فيفتخر بولس بضعفه. في كورنثوس الثانية 12: 7 ولئلا أرتفع بفرط الإعلانات، أعطيت شوكة في الجسد.

المفهوم اليهودي للنص .

الفكر اليهودي: يتناول التلمود هذا الامر فيقول الرابي Rabbi Elazar

Jacob had brought all of his possessions over the river, but then he noticed that some small jugs (of no great value) were missing. Still, he didn’t want to leave even those behind, so he went back for them. There he was confronted by the man.

 ان يعقوب بقي وحيداً لأنه قد نسي اباريق فعاد ليجلبهم. فوجد هذا الإنسان. وقال Rabbi Shlomo Luria

the Maharshal, suggests that these jugs contained the oil that Jacob had designated for anointing the monument he had set up many years earlier during his flight to Haran.3 This was holy oil, then, so Jacob did not want to leave it behind

Rabbi Shlomo Luria (Maharshal), Yeriot Shlomo.

أن هذه الأباريق تحتوي على زيت خصصه يعقوب للنصب التذكاري الذي أقامه أثناء رحلته الى حاران. وتناول الرابيين أن صراع يعقوب كان مع كائن وخادم ملاكي.

ويقول تعليق Etz Hayim ان التفسيرات اليهودية يقولون ان من صارع يعقوب هو الملاك الحارس لعيسو في تكوين برباه Genesis Rabbah 77:3 وتفسير اخر انه قد يكون يعقوب يتصارع مع ضميره.

مفهوم الصراع هل صراع روحي أم جسدي؟

يقول الكتاب نصاً ان هذا الصراع هو جهاد مع الله في تكوين 32: 28

لعلنا نتفق ان الصراع الجسدي المادي قد ينتج عنه الشر وشخص يريد شر للأخر فيدخل معه في مصارعه جسدية او مضاربة فيذكر قاموس اللغة العربية المعاصر أن الصراع هو خصومة ومنافسة.

فهل ينطبق هذا على صراع يعقوب مع؟ من خلال القراءة للنص فالإنسان الذي صارع يعقوب أعطاه البركة فكيف يريد ان يلحق به الأذى والشر ويعطيه البركة بحسب العدد 29. فَقَالَ: “لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟” وَبَارَكَهُ هُنَاكَ إذا فالصراع الجسدي المادي مستبعد. وكيف يصارع يعقوب أن كان صراع مادي ويطلب منه أيضا يعقوب أن يباركه؟

ذكرنا أني الله تعامل مع يعقوب عندما خرج من بئر سبع بحلم وغيره وأيضًا هو من أرشده للخروج.

التكوين ٣١: ١١

١١‏وَقَالَ لِي مَلاَكُ اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. فَقُلْتُ: هأَنَذَا.

فعندما اغتني يعقوب غار منه لابان وأولاده فالله أرشده أن يرجع لأرضة.

التكوين ٣١: ١٣

١٣‏أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ عَمُودًا، حَيْثُ نَذَرْتَ لِي نَذْرًا. الآنَ قُمِ اخْرُجْ مِنْ هذِهِ الأَرْضِ وَارْجعْ إِلَى أَرْضِ مِيلاَدِكَ”.

فكان الله يرشد يعقوب ويقوده.

1- وصلي يعقوب قبل الصراع وقال:

تكوين32: 9: قال يعقوب: ((يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحاق الرب الذي قال لي: ارجع إلى أرضك وإلى عشيرتك فأحسن إليك.

تكوين32: 10: صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك. فإني بعصاي عبرت هذا الأردن والآن قد صرت جيشين.

تكوين32: 11: نجني من يد أخي من يد عيسو لأني خائف منه أن يأتي ويضربني الأم مع البنين.

تكوين32: 12: وأنتقد قلت: إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يعد للكثرة)).

ثم بعد ذلك توجه الى المكان الذي سينفرد به مع الله. فكان خوفه من عيسو دافع لصلاته التي رفعها الى الله فالخوف هو ما دفعه بالشعور بالرغبة في الانفراد للصلاة طول الليل حتى لا يهلك هو وكل بيته لان الأمر خطير.

 2- افتكر يعقوب وعد الله بالحماية.

تكوين 28: 10-28 فكان يعقوب يصلي في وضع روحي وليس وضع مادي.

ننتهي بنص واضح قطعي الدلالة أن الصراع روحي

هوشع12: 4: جَاهَدَ مَعَ الْمَلاَكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ.

كيف غلب يعقوب هل من يغلب يبكي ويسترحم؟ فالغلبة هنا أسلوب ادبي فيستخدم بلغة إنسانية انثربورموفيزم مثل أب يلعب مع طفله ويشعر الطفل انه انتصر عليه ليعطيه الشعور بالثقة.

نشيد الأنشاد 6: 5:

حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي.

أي أنا قبلتك بدموعك بكل ما فيك كفى لا تبكي، فالصراع هنا يقصد به الصلاة والتمسك به والتضرع… عروس النشيد بتقول أمسكته ولم أرخه…. والسيد المسيح نفسه قال عن اللجاجة في الصلاة والمرأة المظلومة والقاضي الظالم.. الجهاد الروحي في الصلاة هو صراع من اجل ومع الله

ماذا نستفيد من القصة روحياً؟ لا أقدر ان اتصالح مع أخي وعلاقتي بالله مشوشة. يعقوب تصالح مع الله فتصالح مع اخوه. أن البكاء والاسترحام يريح ويباركاني. وان الخطايا تسبب القلق وعدم الراحة وما تفعله في الماضي يطاردك في المستقبل ومفهوم الخلوة الروحية.

 ليكون للبركة