أضف تعليقاً

مشكلة الشر بيتر كريفت

Capture

مشكلة الشر بيتر كريفت

تقولُ المقدَّمة الأُولى إنَّ الله صالح ومَوثوق. ولكنَّ صلاحَ الله لا يُعقَلُ أن يعنيَ تمامًا ما يَعنيه صلاحُ الإنسان، لأنَّ الله ليس إنسانًا. فالإنسانُ الصالح لا يُماثِلُ تمامًا حيوانًا أليفًا صالحًا؛ وللسَّبب عينِه ليس صلاحُ الله مُماثلًا لصَلاح الإنسان. والسَّببُ هو أنَّ الصلاح مُتناسِبٌ مع الكَينونة. فكينونةُ الله إلهيَّةٌ ولامحدودة؛ وكَينونة الإنسان محدودةٌ وبشريَّة؛ وكَينونة الحيوان الأليف محدودةٌ وحيوانيَّة. فِلكُلٍّ صلاحٌ مُتناسِبٌ مع طبيعته. مثلًا، ليس شَرًّا أن يكونَ الحيوان الأليفُ مُتعدِّد الشَّريكات على الصعيد الجنسيّ، كما هو شَرٌّ للإنسان. فإذا نُقِلَ صلاحُ الحيوان الأليف (‘‘الأليفِ اللطيف’’) إلى إنسانٍ ما، يكونُ ذلك لا صلاحًا بل عَيبًا أو نقيصة، انكِفاءً إلى مُجرَّدِ غريزةٍ حيوانيَّة. وهكذا يجب أن يكون الوضعُ بالنَّسبة إلى إلصَّلاح الإنسانيِّ والصَّلاح الإلهيّ. فإنَّ المُصطلَح قِياسيٌّ تمثيليٌّ، لا أُحاديُّ المعنى: ليس مَعانيه واحِدةً كلِّيًّا أو تمامًا بل هي مُعدَّلة، واحدةٌ جزئيًّا ومُختلفة جُزئيًّا. وإذا كان لنا أن نفعل، أو حاولنا أن نفعل، بعضًا من الأشياء التي يفعَلُها الله، نكونُ غير صالحين أي طالحين. مثلًا، إذا سمحَ أبٌ بشريٌّ بأن تصدمَ سيَّارةٌ ولدَه فيما كان ممكنًا أن يركض إلى الطريق لإنقاذه، فهو ليس أبًا صالحًا. ولكنَّ الله يقدرُ أن يُنقِذَنا، بمُعجزة، كُلَّما تهدَّدَنا الخَطَر؛ غير أنَّه لا يُنقِذُنا من كلِّ أذًى. ومع ذلك فهو صالِحٌ في عدم إنقاذنا من كل أذًى، لأنَّه يرى، في حكمته اللَّامُتناهية، تمامًا إلى أيَّة مُعاناةٍ نحتاجُ في سبيلِ أقصى كمالِنا وحكمتنا وسعادتنا على المدى البعيد، وهو يرى إفسادَ الشخصيَّة الرُّوحيَّ الذي من شأنه أن يترتَّب على إنقاذنا من كلِّ مُصيبة. فلِلآباء البشريِّين جُزءٌ ضيئلٌ فقط من نَوع البصيرة هذا؛ ولذلك يكونُ من الخطإ لهم أن يُمثِّلوا دَورَ الله ويَدَعوا أولادَهم يُعانون، إلَّا في حالاتٍ قليلة حيثُ تكونُ معرفةُ الأبِ البَشَريِّ مؤكَّدةً تمامًا. مثلًا، يكونُ من الخطإ لأيِّ أبٍ بَشَريٍّ أن يَدَعَ ولدَه يموتُ لأنَّه اعتَقَدَ أنَّه لو بَقِيَ الولَدُ حيًّا لَمَا انتقلَ إلى التقدُّم الخُلُقيِّ والرُّوحيِّ بل تردَّى ومات أخيرًا في حالةٍ أسوأ. فإنَّه ما من أبٍ بَشَريٍّ يعلمُ أُمورًا من هذا القبيل، كما يعلمُها الله. ولكنْ يكون من الصَّواب لأبٍ بَشَريٍّ أن يُرسِلَ ولدَه إلى مدرسة صعبةٍ على نحوٍ استِثنائيّ، مدرسةٍ تُسبِّبُ للولد أن يعرقَ في دروسه ويُنجِزَ فُروضًا منزليَّة مُضاعَفة، إذا كان الأبُ يعرِف أنَّ الولد ذكيٌّ وأنَّ المدرسة تستحقُّ التَّضحية. وهكذا، فبالنِّسبة إلَينا أن نكون صالحين ومَوثوقين هو عادةً (إنَّما ليس دائمًا) أن نُنقِذَ بعضُنا بعضًا من المُعاناة، ولكنْ لا يمكن أن ينسحِبَ هذا على الله بالطريقة نفسها. إنَّ أوامرَ التحرُّك لكَتيبة المُشاة لا تنسحِبُ على القائد الذي يضَعُ الاستراتيجيَّة الشاملة.
لا يعني هذا أنْ ليس لله صفةٌ أخلاقيَّة، ولا أنَّ الصَّلاح مُجرَّدُ مخلوق، لا صفة حميدةٍ من صفات الخالق، أي شيءٌ يصنعُه الله اعتِباطيًّا وكان يمكنُ أن يصنعُه بصورةٍ مختلفة، كما كان مُمكنًا أن يجعلَ السَّماء حمراءَ لا زرقاء. كلَّا! فإنَّما ‘‘الله محبَّة’’، والله أيضًا عادِل، ولكن ما يعنيه هذانِ الكمالان الأدبيَّان في الله يسمو على ما يَعنِيانِه فينا، تمامًا كما يسمو الصَّلاحُ فينا على الصَّلاحِ في حيوانٍ أليف.
ثُمَّ إنَّ المُصطلَح الغامض في المُقدَّمة الثانية هو اللفظةُ عَدل. فبالنِّسبة إلينا، يعني العَدلُ مُساواةً، أو على الأقلّ تكافؤَ فُرَص. إنَّه يعني شيئًا رياضيًّا أو حِسابيًّا تقريبًا. فنحنُ جميعًا مُتساوون أمام القانون. ولكنْ ليس هذا معنى العَدل الأعمقَ. فثمَّة عَدلٌ في الموسيقى، تناغُمٌ وتناسُبٌ وترابُطٌ تؤولُ إلى الجمال، إلَّا أنَّ ذلك ليس مُساواة. إنَّه شيءٌ أكثرُ غموضًا بكثير، وأكثرُ تثقُّلًا بالمعنى، وأكثرُ روعةً. وقد قال الشاعر: ‘‘بالعَدلِ النُّجومُ قويَّة’’. وتكلَّم الإغريق بشأن عَدلٍ كونيٍّ (دايكيي [Dike])، بشأن ‘‘موسيقى الكواكب’’. فهذا أقربُ إلى العَدل الإلهيّ. أهو ‘‘عادِلٌ’’ بالمعنى الرياضيِّ البسيط أنَّ نِصفَ الجنس البَشَريِّ يفتقِر إلى رَحِم؟ أهو عادلٌ أنَّ الرجال يملكون عضلاتٍ بَدَنيَّةً عُليا أقوى من عضلات النِّساء؟ أَمِنَ العَدلِ بَعدُ أن يكونَ البَشَرُ مُتفوِّقين على القُرود؟ (إنِّي أستَثني أُولئك البَشَر الذين لا يعتقدون أنَّهم مُتفوِّقون على القُرود، باعتِبار ذلك نُبوءةً ذاتيَّة التحقُّق!)
إنَّ أسمى شكلٍ من العَدل الإلهيِّ سَمِعنا به على الإطلاق، والشَّكلَ الأكثرَ غموضًا، هو- على وجه التحديد- الإنجيلُ، الأحداثُ المُذهِلةُ المُواكِبةُ لتَنازُلِ الله كي يصيرَ إنسانًا ولموتهِ لأجلنا على صليب. ويدعو القدِّيس بولس هذا الإنجيلَ ‘‘بِرَّ الله’’ في رسالة رومية. غير أنَّ هذا ‘‘البِرَّ’’، أو العَدلَ، يتركَّز على الفِعلةِ الأكثرِ لاعدلًا بين كلِّ ما حدثَ في التاريخ على الإطلاق: قَتلِ إلهٍ، قَتلِ الإنسان الذي لم يستحقَّ الموتَ قطُّ، البريءِ الأكثرِ براءةً، البريء الوحيد، مُتألِّمًا لأجل الأثَمَة. وهذا هو عدلُ الله! فبديهيٌّ أنَّ العدلَ هُناكَ هو شيءٌ مُختِلفٌ عن العدل هُنا. إنَّه هنا مُكافأةُ الصالح ومُعاقَبة الطالح. أمَّا هُناك، فهو ‘‘كلُّنا كغَنَم ظَلَلنا، مِلنا كلُّ واحدٍ إلى طريقه، والربُّ وضع عليه إثمَ جميعنا’’ (إشعياء 53: 6).
من كتاب فلسفات الحياة الثلاث – بيتر جون كريفت

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: